ابن عربي

25

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

قال الخضر لموسى عليه السلام : أنا على علم علمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه اللّه لا أعلمه أنا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 67 ] قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) ثم أنصفه في العلم وقال له : يا موسى أنا على علم . . . الحديث - . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 68 ] وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) الخبر الذوق ، وهو علم حال لأنه وحي خاص إلهي ، ليس للملك فيه وساطة من اللّه ، فإن وحي الرسل إنما هو بالملك بين اللّه وبين رسوله ، فلا خبر له بهذا الذوق في عين إمضاء الحكم في عالم الشهادة ، فما تعود الإرسال لتشريع الأحكام الإلهية في عالم الشهادة إلا بواسطة الروح الذي ينزل به على قلبه أو في تمثله ، لم يعرف الرسول الشريعة إلا على هذا الوصف لا غير الشريعة ، فإن الرسول له قرب أداء الفرائض والمحبة عليها من اللّه ، وما تنتج له تلك المحبة ، وله قرب النوافل ومحبتها وما يعطيه محبتها ، ولكن من العلم باللّه لا من التشريع وإمضاء الحكم في عالم الشهادة ، فخرق الخضر السفينة وقتل الغلام حكما ، وأقام الجدار مكارم أخلاق عن حكم أمر إلهي ، فلم يحط موسى عليه السلام به خبرا من هذا القبيل ، فهذا القدر الذي اختص به خضر دون موسى عليه السلام ، فلما علم الخضر أن موسى عليه السلام ليس له ذوق في المقام الذي هو الخضر عليه ، قال الخضر لموسى عليه السلام « وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً » ، لأنه كان في مقام لم يكن لموسى عليه السلام في ذلك الوقت الذي نفاه عنه العدل بقوله ، وتعديل اللّه إياه بما شهد له به من العلم ، مع كون موسى عليه السلام كليم اللّه ، وكما أن الخضر ليس له ذوق فيما هو موسى عليه من العلم الذي علمه اللّه ، إلا أن مقام الخضر لا يعطي الاعتراض على أحد من خلق اللّه ، لمشاهدة خاصة هو عليها ، ومقام موسى والرسل يعطي الاعتراض من حيث هم رسل لا غير ، في كل ما يرونه خارجا عما أرسلوا به ، ودليل ما ذهبنا إليه في هذا قول الخضر لموسى عليه السلام « وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً » ، فلو كان الخضر نبيا لما قال له « ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً » فالذي فعله لم يكن من مقام النبوة ، وقال له في انفراد كل واحد منهما بمقامه الذي هو عليه [ يا