ابن عربي
24
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
قول أبي هريرة [ حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم ] ولم يفد قول ابن عباس حين قال في قول اللّه عزّ وجل ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) لو ذكرت تفسيره لرجمتموني ، وفي رواية لقلتم إني كافر ، ولم يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه معنى ، إذ قال : يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا فهؤلاء كلهم سادات أبرار فيما أحسب واشتهر عنهم ، قد عرفوا هذا العلم ورتبته ومنزلة أكثر العالم منه ، وأن الأكثر منكرون له ، وينبغي للعاقل العارف أن لا يأخذ عليهم في إنكارهم ، فإنه في قصة موسى مع خضر مندوحة لهم ، وحجة للطائفتين ، وإن كان إنكار موسى عن نسيان لشرطه ولتعديل اللّه إياه ، وبهذه القصة عينها نحتج على المنكرين ، لكنه لا سبيل إلى خصامهم . واعلم أن كل علم إذا بسطته العبارة حسن وفهم معناه أو قارب وعذب عند السامع الفهم فهو علم العقل النظري ، لأنه تحت إدراكه ومما يستقل به لو نظر ، إلا علم الأسرار ، فإنه إذا أخذته العبارة سمج واعتاص على الأفهام دركه وخشن ، وربما مجته العقول الضعيفة المتعصبة التي لم تتوفر لتصريف حقيقتها التي جعل اللّه فيها من النظر والبحث ، وأما علوم الأحوال فمتوسطة بين علم الأسرار وعلم العقول ، ثم لتعلم أنه إذا حسن عندك وقبلته وآمنت به فأبشر أنك على كشف منه ضرورة وأنت لا تدري ، لا سبيل إلا هذا ، إذ لا يثلج الصدر إلا بما يقطع بصحته ، وليس للعقل هنا مدخل ، لأنه ليس من دركه إلا إن أتى بذلك معصوم ، حينئذ يثلج صدر العاقل ، وأما غير المعصوم فلا يلتذ بكلامه إلا صاحب ذوق . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 66 ] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) اعلم أن الأنبياء أصحاب الشرائع هم أرفع عباد اللّه من البشر ، ومع هذا لا يبعد أن يخص اللّه المفضول بعلم ليس عند الفاضل ، ولا يدل تميزه عنه أنه بذلك العلم أفضل منه ،