ابن عربي
78
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لا يتعدى كشفه في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه ووحيه ، قال الجنيد في هذا المقام : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، وقال الآخر : كل فتح لا يشهد له الكتاب والسنة فليس بشيء . فلا يفتح لولي قط إلا في الفهم في الكتاب العزيز ، لهذا قال تعالى : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » [ الولي لا يأمر أبدا بعلم فيه تشريع ناسخ لشرعه ] فلا يخرج علم الولي جملة واحدة عن الكتاب والسنة ، فإن خرج أحد عن ذلك فليس بعلم ، ولا علم ولاية معا ، بل إذا حققته وجدته جهلا ، والجهل عدم ، والعلم وجود محقق ، فالولي لا يأمر أبدا بعلم فيه تشريع ناسخ لشرعه ، ولكن قد يلهم لترتيب صورة لا عين لها في الشرع من حيث مجموعها ، ولكن من حيث تفصيل كل جزء منها وجدته أمرا مشروعا ، فهو تركيب أمور مشروعة ، أضاف بعضها إلى بعض هذا الولي ، أو أضيفت إليه بطريق الإلقاء فظهر بصورة لم تظهر في الشرع بجمعيتها . فهذا القدر له من التشريع ، وما خرج بهذا الفعل من الشرع المكلف به ، فإن الشارع قد شرع له أن يشرع مثل هذا ، فما شرع إلا عن أمر الشارع ، فما خرج عن أمره ، فمثل هذا قد يؤمر به الولي ، وأما خلاف هذا فلا . فإن قلت وأين جعل اللّه للولي العالم ذلك بلسان الشرع ؟ قلنا : قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا » . فقد سن له أن يسن ، ولكن مما لا يخالف فيه شرعا مشروعا ، ليحلّ به ما حرم أو يحرم به ما حلل . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) أي إن صدقتم ولا تكتمون ما تجدونه في نفوسكم من قولي إنكم ما تدعون في الشدائد إلا اللّه ، الذي ما زالت قلوبكم منطوية عليه ، فهم بلا شك مصدقون لعلمهم فهل يصدقون إذا سئلوا أم لا .