ابن عربي

79

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 41 ] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) - الوجه الأول - وتنسون ما تشركون أي تتركون الشرك . وهذه شهادة من اللّه تعالى على نفسه لنا في دار التكليف بتوحيده في المهمات ، وهو قوله تعالى : « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ » وقوله : « أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ » ؟ فما دعا أحد من الخلق في حال شدته إلا اللّه ، ولو لم يكن في علمه في حال الرخاء أن حلّ الشدائد بيد اللّه خاصة - وهذا هو التوحيد - ما أظهر ذلك الاعتقاد عند الشدائد ، فلم يزل المشرك موحدا بشهادة اللّه في حال الرخاء والشدة ، غير أن المشرك في حال الرخاء لا يظهر عليه علم من أعلام التوحيد الذي هو معتقده ، فإذا اضطر رجع إلى علمه بتوحيد خالقه ، ولم يظهر عليه علم من أعلام الشرك ، وكل ذلك في دار التكليف ، وأكثر العلماء غائبون عن هذا الفضل الإلهي - الوجه الثاني - « بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ » هل تدعون الشريك لعينه ؟ لا واللّه إلا لكونه في اعتقادكم إلها ، فاللّه دعوتم لا تلك الصورة ، ولهذا أجيب دعاؤكم ، والصورة لا تضر ولا تنفع ، انظر في قوله : « سَمُّوهُمْ » فإن سموهم بهم فهم عينهم ، فلا يقولون في معبودهم حجر ولا شجر ولا كوكب ، ينحته بيده ثم يعبده ، فما عبده وجوهره والصورة من عمله وإنما سموهم بالإله فما عبدوا إلا اللّه ، وقد أشار إلى ذلك الآية الواردة في القرآن بقوله تعالى : « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » وهو عندنا بمعنى حكم ، وعند من لا علم له بالحقائق بمعنى أمر ، فأين يذهب العبد إن أتاه عذاب اللّه فإن أمره تعالى مسموع . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) « وزين لهم الشيطان أعمالهم » تنبيه على الأدب ، ويضاف إلى الشيطان إذ جرى عليه لسان الذم من اللّه تعالى تنزيها لجنابه « فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ » * وهو قول اللّه تعالى : ( لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) * .