ابن عربي
59
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ربه ، حتى يعلم أنه هو لكونه عبدا ، وأن الحق هو الحق لكونه ربا له ، فجاء لنفسه بأنه شهيد ، وفي الحق بأنه رقيب ، وقدمهم في حق نفسه فقال : « عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » إيثارا لهم في التقدم وأدبا ، وأخّرهم في جانب الحق عن الحق في قوله : « الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » لما يستحقه الرب من التقديم بالرتبة . ثم اعلم أن للحق الرقيب الاسم الذي جعله عيسى لنفسه وهو الشهيد في قوله : « عَلَيْهِمْ شَهِيداً » فقال : « وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » فجاء بكل » للعموم وبشيء » لكونه أنكر النكرات ، وجاء بالاسم الشهيد ، فهو الشهيد على كل مشهود ، بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود ، فنبه على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال : « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » فهي شهادة الحق في مادة عيسوية ، كما ثبت أنه لسانه وسمعه وبصره ، ثم قال كلمة عيسوية ومحمدية ، أما كونها عيسوية فإنها قول عيسى بإخبار اللّه عنه في كتابه ، وأما كونها محمدية فلوقعها من محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالمكان الذي وقعت منه ، فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل إلى غيرها حتى مطلع الفجر « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » و « هم » ضمير الغائب كما أن « هو » ضمير الغائب ، فقال : « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ » بضمير الغائب وهو عين الحجاب الذي هم فيه من الحق ، فذكرهم اللّه قبل حضورهم حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين فصيرته مثلها ، « فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه ، ولا ذلّة أعظم من ذلة العبيد لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم ، فهم بحكم ما يريده بهم سيدهم ، ولا شريك له فيهم ، فإنه قال : « عِبادُكَ » فأفرد ، والمراد بالعذاب إذلالهم ولا أذل مما هم فيه من كونهم عبيدا « وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ » أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقونه بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك ويمنعهم منه ، « فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » أي المنيع الحمى ، وجاء بالفصل والعماد أيضا تأكيدا للبيان ، ولتكون الآية على مساق واحد في قوله : « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » وقوله « كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » فجاء أيضا « فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » فكان سؤلا من النبي عليه السلام ، وإلحاحا منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر ، يرددها طلبا للإجابة ، فلو سمع الإجابة في أول سؤال ما كرر ، فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضا مفصلا ، فيقول له في عرض عرض ، وعين عين « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ