ابن عربي

60

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الْحَكِيمُ » فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحق وإيثار جنابه لدعا عليهم لا لهم ، فما عرض عليه إلا ما استحقوا به ما تعطيه هذه الآية من التسليم للّه ، والتعريض لعفوه ، وقد ورد أن الحق إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه أخّر الإجابة عنه حتى يتكرر ذلك منه ، حبا فيه لا إعراضا عنه ، ولذلك جاء بالاسم الحكيم ، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها ، ولا يعدل بها عما تقتضيه وتطلبه حقائقها بصفاتها ، فكان صلّى اللّه عليه وسلم بترداد هذه الآية على علم عظيم من اللّه تعالى ، فمن تلا فهكذا يتلو وإلا فالسكوت أولى به . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 118 ] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) عرض عيسى عليه السلام بالمغفرة لقومه لما عصوا اللّه ولم يتوبوا بقوله هذا ، وذلك لما علم أن رحمته تعالى سبقت غضبه ، وقد قام النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الآية ليلة كاملة ما زال يرددها حتى طلع الفجر ، إذ كانت كلمة غيره فكان يكررها حكاية وقصده معلوم في ذلك ، كما قيل في المثل : إياك أعني فاسمعي يا جارة ، ولما كان في هذا اشتباه على المحجوبين من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون : إن كفر العبد منسوب إلى اختراعه ، غير مستند إلى إرادة ربه سبحانه ، وإلا لما جاز أن يعاقبه عليه ، لا جرم بين اللّه تعالى جوابهم على لسان نبيه عيسى عليه السلام في قوله : « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » علل جواز تعذيبه لهم بأنهم عباده ، تنبيها على أن التعذيب لا يحتاج في جوازه عقلا إلى معصية ولا كفر ، ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك ، وإنما مجرد كونهم عبادا يجوز للمالك أن يفعل بهم ما يشاء ، حتى وليس عليه حق ، ومهما قال فالحسن الجميل « وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ولم يقل : « إنك أنت الغفور الرحيم » أدبا مع الجناب الإلهي ، فتأدب العبد الصالح مع اللّه في هذا القول لما عصى قومه اللّه ولم يتوبوا - نصيحة - لا تدخل بين اللّه وبين عباده ، ولا تسع عنده في خراب بلاده ، هم على كل حال عباده ، قل كما قال العبد الصالح ، صاحب العقل الراجح ، « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » انظر في هذا الأدب النبوي أين هو مما نسب إليه من النعت البنوي ! هو عين روح اللّه وكلمته ، ونفخ روحه وابن أمته ، ما بينه وبين ربه سوى النسب العام ، الموجود لأهل الخصوص من الأنام ، وهو التقوى لا أمر زائد ، في غير واحد - مناجاة - إلهي جلّت عظمتك أن يعصيك عاص أو ينساك