ابن عربي
58
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 117 ] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) - الوجه الأول - « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » ما زدت على ذلك شيئا ، وإذا قال القائل ما أمر به أن يقوله فقد خرج من العهدة بما بلغ . وقول عيسى عليه السلام « ما أَمَرْتَنِي بِهِ » ولم يقل به أمرت مع أن الأمر بالتوحيد لم يختص به بل أمر به جميع الأنبياء ، في ذلك تنبيه لنا على سر القدر وأن الأمر أمران : أمر حقيقة ، وأمر شريعة ، فأمر الحقيقة : هو المشار إليه بقوله : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » وهو متوجه إلى جميع الكائنات ، فما من كفر ولا إيمان إلا وهو مأمور به بهذا الاعتبار لأنه لا يكون إلا بأمره ، وأما أمر الشريعة فهو الذي ربط به الثواب والعقاب وقامت به الحجة « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » فمن هذا يفهم السر في قول عيسى عليه السلام : « أَمَرْتَنِي بِهِ » خصصه بالإضافة إليه تنبيها على أمر الشريعة ، ولم يقل أمرت تنبيها على أمر الحقيقة - الوجه الثاني - تفسير من مقام المحبوبية : « ما قُلْتُ لَهُمْ » فنفى أولا مشيرا إلى أنه ما هو ، ثم أوجب القول أدبا مع المستفهم فقال : « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » وأنت المتكلم على لساني ، وأنت لساني ، وأثبت نفسه مأمورا ، وليس سوى عبوديته ، إذ لا يؤمر إلا من يتصور منه الامتثال وإن لم يفعل ، فانظر إلى هذه التنبئة الروحية الإلهية ما ألطفها وأدقها ، « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ » فجاء بالاسم « الله » لاختلاف العباد في العبادات واختلاف الشرائع ، لم يخص اسما خاصا دون اسم ، بل جاء بالاسم الجامع للكل « ربي وربكم » ومعلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر ، فلذلك فصل بقوله : « ربي وربكم » ، كناية المتكلم ، وكناية المخاطب . « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً » أي رقيبا ، ولم يقل على نفسي معهم ، كما قال : ( ربي وربكم ) « ما دُمْتُ فِيهِمْ » لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم « فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي » أي رفعتني إليك وحجبتهم عني وحجبتني عنهم « كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » في غير مادتي بل في موادهم ، إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة ، فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه ، وجعله بالاسم الرقيب لأنه جعل الشهود له ، فأراد أن يفصل بينه وبين