ابن عربي
57
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
إضافي لما غاب عنا ، - الوجه الرابع - « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي » [ قول عيسى عليه السلام : « ما قلت لهم إلا ما أمرتني به » ] والمتكلم الحق ، ولا أعلم ما فيها فنفى العلم عن هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث أنه قائل وذو أثر « إِنَّكَ أَنْتَ » فجاء بالفصل والعماد تأكيدا للبيان واعتمادا عليه إذ لا يعلم الغيب إلا اللّه . - الوجه الخامس - من المتشابه صفة النفس في قوله تعالى : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » لأن النفس في اللغة تستعمل لمعان كلها تتعذر في الظاهر هاهنا ، وقد أوّلها العلماء بتأويلات منها أن النفس عبر بها عن الذات والهوية ، وهذا وإن كان سائغا في اللغة ولكن تعدى الفعل إليها بواسطة « في » المقيدة للظرفية محال ، لأن الظرفية يلزمها التركيب ، والتركيب في ذاته محال . وقد أولها بعضهم بالغيب أي ولا أعلم ما في غيبك وسرك وهذا حسن لقوله « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » وإذا كنا قد فسرنا ظلل غمامه وظلة غمام آياته بالصورة التي يأتي فيها ربنا يوم القيامة ، فنفسه هي أم كتابه وهي الآيات المحكمات ، قال تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » والآيات المحكمات هي الآيات الدالة على وحدانيته كما سبق أن أوضحناه ، فقوله تعالى : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » إذا أخرجته على هذا تطلع على أسرار بديعة ، وذلك أن السياق اشتمل على سؤال عيسى عليه السلام عما بلغه لبني إسرائيل ، هل أمرهم بتوحيد ربهم ؟ أو بأن يعبدوا له ولأمه ؟ ومن المعلوم أنه : لم يكن أمرهم إلا بالتوحيد ، فلما أراد أن يخبر بذلك تلطف في الإخبار به إجمالا وتفصيلا ، أما تفصيلا فبقوله : « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » - الآية - وأما إجمالا فبقوله : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » فقوله : « وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » أي أم كتابك المشتمل على سر قدرك ، وأن القلم جرى فيه بكفرهم . وقوله : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي » أي ما في أم كتابي ، وهو ما كتبه اللّه له من بينات التوحيد ، وأيده به من روح القدس ، ومن شأن المحجوبين عن اللّه تعالى من أرباب الرئاسة موادعة من عبدهم ، وعبد أقاربهم لأجلهم ، وأهل القلوب المؤمنة يبرءون من ذلك بمقتضى قوله تعالى : « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - إلى قوله - أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » ومن المعلوم أن عيسى عليه السلام كتب في قلبه الإيمان وأيد بالروح ، فلهذا قال : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي » أي ما كتبته من الإيمان في قلبي ، وأيدتني به من الروح ، وأن ذلك ثمرة كوني لم أوادد هؤلاء الذين عبدوني وعبدوا أمي من دونك .