ابن عربي
56
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
تقتضي المواجهة والخطاب « ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ » والمدعي يسمع ذلك ، وقد علم بقرينة الحال والموطن ذلك المدعي أن عيسى عليه السلام ليس من أهل الكذب ، وأن إنكاره لما ادعوه صحيح ، علمنا عند ذلك أنه تعالى أراد توبيخهم وتقريرهم . فالاستفهام لعيسى عليه السلام ، والتقرير والتوبيخ لمن عبده من أمته وجعله إلها ، وقد وقع في الصورة ، صورة الاستفهام ، وهو في الحقيقة توبيخ فإن الاستفهام لا يصح من اللّه جملة واحدة ، ويصح منه تعالى التقرير لإقامة الحجة والتوبيخ ، فإن الاستفهام على الحقيقة لا يكون إلا ممن لا يعلم ما استفهم عنه . ومثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوه في الاصطلاح يعربونه همزة تقرير وإنكار لا استفهام ، وإن قالوا فيه همزة استفهام والمراد به الإنكار ، فلهم في إعراب مثل هذا طريقتان « إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ » لأنك أنت القائل ، ومن قال أمرا فقد علم ما قال ، وأنت اللسان الذي أتكلم به ، كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن ربه في الخبر الإلهي ، فقال : ( كنت لسانه الذي يتكلم به ) فجعل هويته عين لسان المتكلم ، ونسب الكلام إلى عبده ، ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » [ قول عيسى عليه السلام : « تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك » ] - الوجه الأول - اعلم أن علم الحق بنا قد يكون معلوما لنا ، وأما علمه بنفسه فلا يعلم لعلو قدسه ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم « وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » أي نفس الحق - الوجه الثاني - « وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » من القضاء والقدر فإنه لا يعلم ما في نفس اللّه - الوجه الثالث - أن تكون النفس هنا نفس عيسى عينه ، فإذا جهل العبد ما هي عليه نفسه من حكم الاستعداد ، فهو بما هو عليه في المستأنف أجهل ، فأضاف عيسى عليه السلام نفسه إليه من وجه ما هي له ، وأضافها إلى اللّه من وجه ما هي للّه ، فقال : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » أي نفسي هي نفسك وملكك ، فإنك اشتريتها وما هي ملكي ، فأنت أعلم بما جعلت فيها ، فأضاف نفسه إليه من حيث عينها هي له ، ومن حيث وجودها هي للّه لا له ، فقال : « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي » من حيث عينها « وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » من حيث وجودها ، وهو من حيث ما هي لك . فهذه إضافة تشريف ، كمثل عبد الملك وخديمه وهو أتم في الثناء على اللّه والتبري مما نسب إليه ثم قال : « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » أي ما غاب عنا من ذلك تعلمه أنت ولا أعلمه أنا ، فإنه ما يكون فيها إلا ما تجعله أنت ، فكيف يستفهم من له الخلق والأمر ؟ ولما لم يتصور في حق اللّه غيب ، علمنا أن الغيب أمر