ابن عربي
48
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
أن تنالك ، فأمرك أن تحرم ، فدخلت في الإحرام ، فصرت حراما ، وما جعل ذلك لك عن أمره سبحانه إلا ليكون ذلك قربة إليه ، ومزيد مكانة عنده تعالى ، وحتى لا تنسى عبوديتك التي خلقت عليها بكونه تعالى جعلك مأمورا في هذه المنعة ، دواء لك نافعا ، يمنع من علة تطرأ عليك لعظيم مكانتك ، فلا بد أن يؤثر فيك خلقك على صورته عزة في نفسك ، فشرعها لك في طاعته بأمر أمرك فيه أن تكون حراما ، لا احتجارا عليك بل احتجارا لك ، فالإنسان عبد عينا ورتبة ، كما هو سيد عينا لا رتبة ، ولهذا إذا ادّعى الرتبة قصم وحرم ، وإذا ادّعى العين عصم ورحم ، والإنسان واحد في الحقيقة ، غير أنه ما بين معتنى به وغير معتنى به . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 97 ] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) [ لم سميت الكعبة كعبة ؟ ] جعل اللّه تعالى لبيته أربعة أركان لسر إلهي وهي في الحقيقة ثلاثة أركان ، لأنه شكل مكعب ، الركن الواحد الذي يلي الحجر مكعب الشكل ولأجل ذلك سمي كعبة تشبيها بالكعب ، خرج مسلم عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فركب راحلته فخطب فقال : « إن اللّه حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، ألا وإنها لا تحل لأحد قبلي ، ولن تحلّ لأحد بعدي ، ألا وإنها أحلّت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه ، وهي حرام لا يخبط شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا يلقط ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يعطى - يعني الدية - وإما أن يقاد أهل القتيل - الحديث - ، فهذا هو حمى اللّه وحرمه ، ولا موجود أعظم من اللّه ، فلا حمى ولا حرم أعظم من حرم اللّه ولا حماه في الأماكن ، فإن مكة حرّمها اللّه ولم يحرمها الناس . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 98 إلى 99 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 )