ابن عربي
49
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الداعي إلى اللّه ما يجب عليه إلا البلاغ ، وما يلزمه خلق القبول والهداية في نفس السامع . [ الفرق بين الرسول والخليفة ] فدرجة الرسالة إنما هي التبليغ خاصة ، فليس للرسول التحكم في المخالف ، إنما له تشريع الحكم عن اللّه أو بما أراه اللّه ، فإذا أعطاه اللّه التحكم فيمن أرسل إليهم فذلك هو الاستخلاف والخلافة ، والرسول الخليفة . فما كل من أرسل حكم ، فإذا أعطي السيف وأمضى الفعل حينئذ يكون له الكمال ، وإن ظهر إنسان بالتحكم من غير نبوة ، فهو ملك وليس بخليفة ، فلا يكون خليفة إلا من استخلفه الحق على عباده ، لا من أقامه الناس وبايعوه وقدموه لأنفسهم وعلى أنفسهم . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 100 إلى 101 ] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قال الصحابة نهينا أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنهم كانوا يسألونه عن الأشياء حتى نهوا عن ذلك رحمة بهم وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : اتركوني ما تركتكم ، وقال لو قلت : نعم - للسائل عن الحج في كل عام - لوجبت . وكانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل ، فكان غرض النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين علم ذلك أن يمتنع الناس عن السؤال ، ويجرون مع طبعهم حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء ، فكانت الواجبات والمحظورات تقل ، وتبقى الكثرة من قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر ولا وزر ، وما كان ربك نسيا . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 102 إلى 105 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 )