ابن عربي
40
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لانفراده وانتزاحه عن عباده ، فلو دخل مع الجماعة في العمل ، لألحقه في الحكم بمن أسر وقتل ، فلا تتعرضوا لأصحاب الصوامع ، فإن نفوسهم سوامع ، ترى أعينهم عند السمع تفيض من الدمع ، ما لهم علم بما هم عليه الناس من الالتباس ، تجنبوا الحيف ، وتدرعوا الخوف . - تفسير من باب الإشارة - يا عين بالنظر الذي * قد نلت منه تشفعي واهمي الدموع ببابه * وتملقي وتصنعي [ في صفة العارفين باللّه ] يقول اللّه عزّ وجل في صفة العارفين باللّه : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ » ولم يقل علموا فوصفهم بالمعرفة « يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » ولم يقولوا علمنا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 84 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) « وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ » ولم يقل نعلم « وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ » وما قالوا نتحقق « أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ » وهي الدرجة الرابعة « فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا » ولم يقل بما علموا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 85 ] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) فالعارف دون العالم الصديق ، ولا يسمى عارفا إلا من كان حظه من الأحوال البكاء ، ومن المقامات الإيمان بالسماع لا بالأعيان ، ومن الأعمال الرغبة إليه سبحانه ، والطمع في اللحوق بالصالحين ، وأن يكتب مع الشاهدين ، « فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » فأخبر تعالى أن سماعهم من الكتاب الكبير لا من أنفسهم ، ثم قال : « فَأَثابَهُمُ » ولا نشك أن الصدّيقية درجة فوق هاتين الصفتين اللتين طلب العارف أن يلحق بهما فهو