ابن عربي
41
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
دونهما ، وقد سمي عارفا وقال تعالى : « أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين » فانظر إلى هذه الدرجات ، ثم لتعلم أن الشهداء الذين رغب العارف أن يلحق بهم هم العاملون على الأجرة وتحصيل الثواب ، وأن اللّه عزّ وجل قد برأ الصديقين من الأعواض وطلب الثواب ، إذ لم يقم بنفوسهم ذلك ، لعلمهم أن أفعالهم ليست لهم أن يطلبوا عوضا ، بل هم العبيد على الحقيقة ، والأجراء مجازا قال عزّ وجل : « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ » ولم يذكر لهم عوضا على عملهم ، إذ لم يقم لهم به خاطر أصلا ، لتبريهم من الدعوة . ثم قال : « وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ » وهم الرجال الذين رغب العارف أن يلحق بهم ، ويرسم في ديوانهم ، وقد جعلهم تعالى في حضرة الربوبية ، ولم يشترط في إيمان الصديقين السماع ، كما فعل بالعارفين حكمة منه سبحانه . وانظر أدب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أين جعل العارف حيث جعله الحق فقال : « من عرف نفسه عرف ربه » ولم يقل علم فلم ينزله عن حضرة الربوبية ولا عن حضرة نفسه التي هي صاحبة الجنة كما قال : « وفيها ما تشتهي الأنفس » فالعارف صاحب الشهوة المحمودة تربيه بين يدي العالم الصديق . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 86 إلى 88 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) ظاهر الشرع يعطي أن العامل في الحال رزقكم ، فإن من هنا في قوله : « مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » للتبيين لا للتبعيض ، فإنه لا فائدة للتبعيض ، فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله ، وإن كانت للتبيين وهي متعلقة بكلوا فبين أن رزق اللّه هو الحلال الطيب ، فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق اللّه ، فإن رزق اللّه عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال وحرام ، فنهانا عن التغذي بالحرام ، فلو كان رزق اللّه في الحرام ما نهانا عنه ، فإذا ما هو الحرام رزق اللّه وإنما هو رزق ، ورزق اللّه هو الحلال .