ابن عربي

519

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

في قسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية على صورة تحصيل الإيمان ، أقسم سبحانه على نفسه باسم الرب المضاف إلى نبيه محمد عليه السلام على أقصى غاية مراتب الإيمان ، فقال : « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . . . » الآية فمن شرط قوة الإيمان وتحصيله أن لا ننتظر حكم من آمنا به ، بل نحكمه علينا ابتداء منا ، تثبيتا لإيماننا ونرضى بقضائه فينا ، ولا نبالي بما حكم علينا بما يهون علينا حمله أو ما لا يهون ، فإذا قضى بما قضى به علينا مما تعظم مشقته ويصعب حمله ، طابت به نفوسنا ، وعظمت اللذة بذلك في قلوبنا ، وزال عن النفس ما كان شجر بينها وبين خصمها ، وانقادت بحكم اللّه علينا سهلة ذلولة . ومتى لم نجد ذلك في نفوسنا ، فليس عندنا رائحة من حقيقة الإيمان في جميع حكمه كله علينا ، بل عليه أن ينقاد بظاهره على الفور انقيادا كليا على الانقياد لما وقع به الحكم من الشرع ، ولهذا قال « وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » فأكده بالمصدر للتفرغ في الانقياد إليه ، وعلى قدر ما يتوقف أو يجده في نفسه حرجا أو أمرا ينافي وجه اللذة والحب والعشق في ذلك الحكم ، ينتفي منك التصديق ضرورة ، ولما كان هذا المقام الشامخ عسيرا على النفوس نيله ، أقسم بنفسه جل وتعالى عليه . ولما لم يكن المحكوم عليهم يسمعون ذلك من اللّه ، وإنما حكم عليهم بذلك رسول اللّه الثابت صدقه ، النائب عن اللّه وخليفته في الأرض ، لذلك أضاف الاسم إليه عناية به وشرفا له صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال « فَلا وَرَبِّكَ » وجعله بحرف الخطاب إشارة إلى أنه حاضر معنا ، ولم يجعلها إضافة عينية . وقوله تعالى « وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » ، فإن من سلّم لم يطلب على العلة في كل ما جاء به النبي ، ولا في مسئلة من مسائله ، فإن جاء النبي بالعلة قبلها كما قبل المعلول ، وإن لم يجئ بها سلّم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 66 ] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) « وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ » على ألسنتهم وألسنة غيرهم « لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 67 إلى 68 ] وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 )