ابن عربي
520
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 69 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) [ الأنبياء على نوعين : أنبياء تشريع وأنبياء لا تشريع لهم ] الأنبياء على نوعين : أنبياء تشريع وأنبياء لا تشريع لهم ، وأنبياء التشريع على قسمين : أنبياء تشريع في خاصتهم ، كقوله « إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ » ، وأنبياء تشريع في غيرهم وهم الرسل عليهم السلام ، فالأنبياء صلوات اللّه عليهم تولاهم اللّه بالنبوة ، وهم رجال اصطنعهم لنفسه ، واختارهم لخدمته ، واختصهم من سائر العباد لحضرته ، شرع لهم ما تعبدهم به في ذواتهم ، ولم يأمر بعضهم بأن يعدي تلك العبادات إلى غيرهم بطريق الوجوب ، فهم على شرع من اللّه ، أحلّ لهم أمورا ، وحرم عليهم أمورا ، قصرها عليهم دون غيرهم ، إذ كانت الدار الدنيا تقتضي ذلك ، لأنها دار الموت والحياة . والرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم تولاهم اللّه بالرسالة ، فهم النبيون المرسلون إلى طائفة من الناس ، أو يكون إرسالا عاما إلى الناس ، ولم يحصل ذلك إلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فبلّغ عن اللّه ما أمره اللّه بتبليغه في قوله ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ( وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ) . فمقام التبليغ هو المعبر عنه بالرسالة لا غير ، واعلم أنه ليس من شرط كل مقام إذا دخله الإنسان ذوقا أن يحيط بجميع ما يتضمنه من جهة التفصيل ؛ فإنا نعلم أنا نجتمع مع الأنبياء عليهم السلام في مقامات ، وبيننا وبينهم في العلم بأسرارها بون بعيد ، يكون عندهم ما ليس عندنا ، وإن شملنا المقام . « وَالصِّدِّيقِينَ » الصديق من آمن باللّه ورسوله عن قول المخبر ، لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي يجده في قلبه ، المانع له من تردد أو شك يدخله في قول المخبر الرسول ، ومتعلقه على الحقيقة الإيمان بالرسول ، ويكون الإيمان باللّه على جهة القربة لا على إثباته ، إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق ضرورة أو نظرا ، ولكن ما ثبت كونه قربة ، ثم إن الرسول إذا آمن به الصديق آمن بما جاء به ، ومما جاء به توحيد الإله وهو قوله ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) أو ( واعلم أنه لا إله إلا الله ) فعلم أنه واحد في ألوهيته من حيث قوله ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) فذلك يسمى إيمانا ، ويسمى المؤمن به على هذا الحدّ صديقا . فإن نظر في دليل يدل على صدق قوله ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) ، وعثر على توحيده بعد نظره فصدق الرسول في قوله وصدق اللّه في قوله ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) فليس بصديق ،