ابن عربي

484

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أرواح الأنبياء عليهم السلام ، لا من كونها محلّا للملائكة ، فإذا صعقوا بالنفخة ورث اللّه السماء ، [ كيف يرث اللّه السماوات والأرض وهي ملكه ؟ ] فإن قلت : كيف يرث اللّه السماوات والأرض وهي ملكه ؟ قلنا : يرثها الاسم الإلهي الوارث من الأسماء الإلهية التي لها التصرف فيها ، فإذا انقضت مدتها بالحكم فيها ما دامت على هذه الصورة والنظم الخاص وكانت المدبرة لها ، فلما زال تدبيرها وانقضى حكمها الخاص لانقضاء أمد مدة القبول لذلك ، سمى ذلك موتا ، وصارت السماوات والأرض ورثا ، فتولاها الاسم الوارث « والله خبير بما تعملون » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 181 ] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) لما نزل اللّه تعالى من مقام غناه عن العالمين إلى طلب القرض من عباده بقوله تعالى : ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ) * قالت اليهود : إن رب محمد يطلب منا القرض ، وقالت اليهود : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ » وهو الغني « وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » وهم الفقراء ، فانعكست عندهم القضية ، وهذا من المكر الإلهي الذي لا يشعر به ، فكفرت اليهود فإنهم ليسوا بأغنياء عن اللّه ولا عن إسباغ النعم عليهم فضلا من اللّه ومنّة ، فالحق غناه مطلق بالنظر إلى ذاته والخلق مفتقر على الإطلاق بالنظر أيضا إلى ذاته ، فتميز الحق من الخلق ، وهذا التمييز لا يرتفع أبدا لأنه تميز ذاتي في الموصوف به من حق وخلق ، فالحق منفرد بالغنى كما وصف نفسه ، فهو غني نفسه ، ونحن أغنياء به في عين افتقارنا فيما لا نستغني عنه ، فالفقر إلى اللّه تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء ثابت وموجود ، بقوله : « سَنَكْتُبُ ما قالُوا » أي سنوجب ما قالوه فيما يرجع ضرره عليهم ، أي سيعلمون أن الفقر نعت واجب ، لا يشكون فيه وجوبا ذاتيا من أجل قولهم : « وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » لأنهم انحجبوا عما هو الأمر عليه من فقرهم . ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ) ولذلك كانوا كافرين ، فستروا ما هم به عالمون ذوقا من أنفسهم ، لا يقدرون على إنكاره ، ولو باهتوا فالحال يكذبهم في قولهم : « وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » وليسوا بأغنياء وقولهم : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ » وليس بفقير من حيث ذاته ، فإنه غني عن العالمين ، فألحقهم في العقاب بالكفار ، وهم الذين ستروا ما يجب للحق عليهم من التنزيه ، لذلك