ابن عربي
383
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
استقرت كل قدم في مكان ليس هو المكان الذي استقرت فيه الأخرى ، وهو منتهى استقرارها ، فسمي المكان الواحد جهنما والآخر جنة ، وليس بعدهما مكان تنتقل إليه هاتان القدمان ، وهاتان القدمان لا يستمدان إلا من الأصل الذي منه ظهرت وهو الرحمن ، فلا يعطيان إلا الرحمة ، فإن النهاية ترجع إلى الأصل بالحكم ، غير أنه بين البدء والنهاية طريق ، ميز ذلك الطريق بين البداية والغاية ، ولولا تلك الطريق ما كان بدء ولا غاية ، ألا ترى إلى صدق ما قلناه أن النار لا تزال متألمة لما فيها من النقص وعدم الامتلاء ، حتى يضع الجبار فيها قدمه ، وهي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي ، والقدم الأخرى التي مستقرها الجنة قوله : ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) فالاسم الرب مع هؤلاء والجبار مع الآخرين ، لأنها دار جلال وجبروت وهيبة ، والجنة دار جمال وأنس وتنزل إلهي لطيف ، فقدم الصدق إحدى قدمي الكرسي ، وهما قبضتان الواحدة للنار ولا يبالي والأخرى للجنة ولا يبالي ، لأنهما في المآل إلى الرحمة ، فلذلك لا يبالي فيهما ، ولو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة ، ما وقع الأخذ بالجرائم ولا وصف اللّه نفسه بالغضب ولا كان البطش الشديد ، فهذا كله من المبالاة والتهمم بالمأخوذ ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب ولا استعد له ، وقد قيل في أهل التقوى إن الجنة أعدت للمتقين ، وقيل في أهل الشقاء ( أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) فلولا المبالاة ما ظهر هذا الحكم ، والقدمان عبارة عن تقابل الأسماء الإلهية ، فبالقدمين أغنى وأفقر ، وبهما أمات وأحيا ، وبهما أهل وأقفر ، وبهما خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وبهما أذل وأعز ، وأعطى ومنع ، وأضر ونفع ، ولولاهما ما وقع شيء في العالم مما وقع ، فالقدمان في الأسماء الإلهية مثل الأول والآخر والظاهر والباطن ، ومثل ذلك ظهر عنها في العالم الغيب والشهادة والجلال والجمال ، والقرب والبعد ، والهيبة والأنس ، والدنيا والآخرة ، والجنة والنار . من لا تنام له عين وليس له * قلب ينام فذاك الواحد الأحد مقامه الحفظ والأعيان تعبده * ولا يقيده طبع ولا جسد هو الإمام وما تسري إمامته * في العالمين فلم يظفر به أحد كرسيه تخزن الأكوان فيه ولا * يؤده حفظ شيء ضمه عدد