ابن عربي

384

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فالحمد للّه الذي وسع كرسيه السماوات والأرض ، ووضع فيه ميزان الرفع والخفض ، ودلى إليه قدمي النهي والأمر ، وصيره طريق روحانيات التدبير في السر والجهر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) وهؤلاء هم السعداء الذين حق على اللّه نصرهم بقوله تعالى : ( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » نسب اللّه لنفسه الولاية بتعلق خاص للمؤمنين خاصة ، وذلك من اسمه المؤمن ، والمؤمن من يعطي الأمان في نفوس العالم بإيصال حقوقهم إليهم ، فهم في أمان منه من تعديه فيها ، ومتى لم يكن كذا فليس بمؤمن ، والمؤمن من أعطى الأمان في الحق إن أمنه ، فلا يضيف إليه ما لا يستحق جلاله أن يوصف به مما ذكر تعالى أن ذلك ليس له بصفة ، كالذلة والافتقار ، وهذه أرفع الدرجات أن نصف العبد بأنه مؤمن ، فالمؤمن اسم للّه تعالى والمؤمن اسم للإنسان ، وقد عم في الولاية بين المؤمنين ، فهو ولي الذين آمنوا بإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور ، وليس إلا إخراجهم من العلم بهم إلى العلم به ، فإنه يقول : من عرف نفسه عرف ربه ، فيعلم أنه الحق ، فيخرج العارف المؤمن الحق بولايته التي أعطاه اللّه من ظلمة الغيب إلى نور الشهود ، فهو نور العيان وهو عين اليقين ، فيشهد ما كان غيبا له ، فيعطيه كونه مشهودا ، ولم يكن له هذا الحكم من هذا الشخص قبل هذا ،