ابن عربي
322
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
له فيه غرض من اللّه ، فإذا لم يفعله اللّه له يكره العبد ذلك الترك من اللّه ، ويقول : لعل اللّه جعل لي في ذلك خيرا من حيث لا أشعر ، وهو قوله تعالى : « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ » ومن هنا يعلم فضل الحاصل على الفائت في حقك إذا كان فيه سعادتك ، ولا فضل للفائت على الحاصل إذا كان الفائت مطلوبك ولو حصل لك أشقاك وأنت لا تعلم ، فكان الفضل فيه في حقك فوته ، فإن بفوته سعدت ، وهذا لا يكون إلا لمن أسعده اللّه .
--> المال الذي هو الخير ، كما قال : ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) أي مالا ، ف » أعطوه « للوالدين والأقربين » أي صلوا به أرحامكم « وَالْيَتامى » الذين لا مال لهم « وَالْمَساكِينِ » الذين يسكنون إليكم لحاجتهم وإن لم يسألوا « وَابْنِ السَّبِيلِ » يريد الضيف وتزويد المسافر الذي هو عابر سبيل ، ثم قال : « وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ » فالخير هنا كل معروف وكل عمل محمود شرعا « فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » أي بقدره ومنزلته ، ليكون الجزاء مطابقا له ، يقول « عَلِيمٌ » بالإنفاق وبالخير الذي وقع فيه الفعل ، وبالمنفق عليهم من الأصناف ، فإنه لكل حال جزاء معين ، فللإنفاق جزاء من حيث ما هو إنفاق مأمور به وجوبا أو ندبا ، وللمنفق منه جزاء يخصه ، كما قال : ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) فكان ابن عمر يشتري السكر ويتصدق به ويقول إني أحبه ، وله من جهة المنفق عليه جزاء مخصوص يفضل بعضه على بعض ، فليس الإنفاق على ذوي الأرحام كغيرهم ، فإنها صدقة وصلة ، وصدقة الرجل على نفسه أفضل منها على زوجه ، ونفقته على زوجه أفضل منها على ولده ، وعلى ولده أفضل منها على خادمه ، وعلى الصالحين من المساكين أفضل منها على من ليس بصالح ، وفي هذه الآية باب من أجاب بأكثر مما سئل عنه ، كان السائل عمرو بن الجموح ، قيل نزلت قبل آية الزكاة ، وعلى أي وجه كان ، فالمراد بها نفقة التطوع ( 217 ) « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » الآية ، أخبر تعالى في هذه الآية أنه أعلم بمصالح عباده ، وأنهم لا يعلمون ذلك ، وأنه لا يكلف عباده إلا بما هو الأصلح لهم في سعادتهم ، ولا يترك ما يترك من التكاليف إلا كذلك ، لعلمه سبحانه بذلك ولطفه بعباده ، ففي هذه الآية تحريض للمسلمين على الرضا بما يقضيه اللّه لهم ، خيرا إما عاجلا وإما آجلا ، فلا ينبغي للمؤمن أن يكره شيئا من ذلك ، قال تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » أي أمر تكرهونه لما فيه من بذل المال والنفس « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً » مما كلفكم فعله « وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » عند اللّه مثل هذا إما عاجلا فالغنيمة والتشفي من نكاية العدو ، وإما آجلا فالأجر وإن استشهد فأجر الشهادة « وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً » وهو ترك ما