ابن عربي
321
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 214 إلى 216 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً » وهو ما لا يوافق الغرض ، فإن أكثر الناس يسأل نيل ما
--> مهتدون إلى الإيمان « أَمْ حَسِبْتُمْ » لكونكم مؤمنين « أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ » من غير ابتلاء وامتحان « وَلَمَّا يَأْتِكُمْ » يصبكم « مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ » شبه الذين خلوا من الأمم « مَسَّتْهُمُ » الضمير يعود على الذين خلوا « الْبَأْساءُ » شدة القتل « وَالضَّرَّاءُ » ما يضرهم من البلاء الواقع بهم من الأعداء « وَزُلْزِلُوا » أي أرجفوا في قلوبهم بالمخاويف ، من قصد العدو ونكايتهم ومنازلتهم فيشتد عليهم ذلك « حَتَّى » إلى أن « يَقُولَ الرَّسُولُ » المبعوث إليهم « وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » لشدة ما مسهم من الضر والإرجاف « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » أي متى يأتي نصر اللّه الذي وعدنا من قوله ( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) فقال اللّه لهم « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » إتيانه إليكم ، بشرى لهم وتسكين لما وقع في قلوبهم من الخوف أن تعلو [ . . . ] ، إذ المؤمن الحقيقي غائب عن نفسه بإيثار جانب ربه في إعلاء كلمته وإعزازها ، ولما كانت لا تعلو ولا تظهر إلا بظهور المؤمنين وسلامتهم وقوتهم وبقائهم ، كان سؤالهم في حصول العافية لهم تبعا ، فأيقن الصحابة عند ذلك ومن يأتي بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة أنه سبحانه لا بد أن يبتلي عباده ، فإنه خبّر وخبره صدق ، قال تعالى : ( ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) ومثل هذه الآيات ( 216 ) « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ » الآية ، قال تعالى : ( وأنفقوا ) فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما ذا يُنْفِقُونَ » فقال اللّه تعالى : « قُلْ » يا محمد « ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ » فبيّن أن النفقة من