ابن عربي

320

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وأطلق اللّه على هذا اليوم اسما على ألسنة العرب في الجاهلية وهو لفظ العروبة ، أي هو يوم الحسن والزينة ، فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة ، فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه ، فلما كان أكمل الأيام وخلق فيه أكمل الموجودات خصه بالساعة التي ليست لغيره من الأيام ، والزمان كله ليس سوى هذه الأيام ، فلم تحصل هذه الساعة لشيء من الزمان إلا ليوم الجمعة ، وكان خلق الإنسان في الساعة المذكورة المخصصة من يوم الجمعة ، فإنها أشرف ساعاته ، فالحمد للّه الذي اصطفانا وهدانا إلى يوم الجمعة وخصنا بساعته ، فإنه من أعظم الهداية التي هدى اللّه إليها هذه الأمة خاصة ، فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه ، فيوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع ، وشرفه ذاتي لعينه ، ولا يفاضل بيوم عرفة ولا غيره ، فإن فضل يوم عرفة وعاشوراء لأمور عرضت ، إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض ، ولهذا شرع الغسل ، وهو فرض عندنا ليوم الجمعة لا لنفس الصلاة ، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف أنه أفضل بلا شك .

--> فيه من ذلك فأصبنا يوم الجمعة ، وأصبنا ملة إبراهيم وأصبنا الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله من غير أن يفرق بين أحد منهم ، فقال تعالى مخبرا : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » أي على أمر واحد فاختلفوا « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » مرغبين ومخوفين « وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ » الحق المنزل في الكتاب . « بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » ليبين الصواب عند من هو منهم من الخطأ ، ثم اختلف في الكتاب من أنزل إليهم من الأمم ، فقال : « وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ » يقول : المعجزات والدلائل على أن هذا الكتاب هو من عند اللّه « بَغْياً » حسدا « بَيْنَهُمْ » كيف أنزل الكتاب على فلان ولم ينزل على فلان ، كما قالوا في القرآن ( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) فذكر الطائفة التي علمت وجحدت ، والطائفة التي جاءها الدليل فلم تعقله « فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » المؤمنين من أهل الكتاب ومنا « لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ » أي بإعلامه إيانا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم « وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » منا ومنهم « إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » إلى الطريق الذي يهدي إلى الحق الذي فيه سعادتهم عند اللّه ( 215 ) « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ » نزلت لما أصيب المسلمون يوم أحد تعزية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، بما أصاب الأمم المؤمنين قبلهم من الشدة والبلاء ، فقال لما ذكر أنهم