ابن عربي
308
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
خلقا أكثر من جميع من نزل ، فتقول الخلائق : أفيكم ربنا ؟ فتقول الملائكة : سبحان ربنا قد جاء ربنا وإن كان وعد ربنا لمفعولا ، فيأتي اللّه في ظلل من الغمام والملائكة ، وعلى المجنبة اليسرى جهنم ، ويكون إتيانه إتيان الملك ، فإنه يقول : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وهو ذلك اليوم فسمي بالملك ، ويصطف الملائكة عليهم السلام سبعة صفوف محيطة بالخلائق ، فإذا أبصر الناس جهنم لها فوران وتغيظ على الجبابرة المتكبرين ، فيفرون ، الخلق بأجمعهم منها لعظيم ما يرونه خوفا وفزعا ، وهو الفزع الأكبر ، إلا الطائفة التي لا يحزنهم الفزع الأكبر ، فتتلقاهم الملائكة ( هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) فهم الآمنون مع النبيين على أنفسهم ، غير أن النبيين تفزع على أممها للشفقة التي جبلهم اللّه عليها للخلق ، فيقولون في ذلك اليوم : سلّم سلّم ، وكان اللّه قد أمر أن تنصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم في الموقف ، فيجلسون عليها آمنين مبشرين ، وذلك قبل مجيء الرب تعالى ، فإذا فرّ الناس خوفا من جهنم وفرقا لعظيم ما يرون من الهول في ذلك اليوم ، يجدون الملائكة صفوفا لا يتجاوزونهم ، فتطردهم الملائكة وزعة الملك الحق سبحانه وتعالى إلى المحشر ، وتناديهم أنبياؤهم : ارجعوا ارجعوا ، فينادي بعضهم بعضا ، فهو قول اللّه تعالى فيما يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( إني أخاف عليكم يوم التناد ، يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم ) والرسل تقول : اللهم سلّم سلّم ، ويخافون أشد الخوف على أممهم ، والأمم يخافون على أنفسهم ، والمطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ، ولا ظواهرهم أيضا بالمخالفات الشرعية ، آمنون يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن ، لما هم النبيون عليه من الخوف على أممهم ، فينادي مناد من قبل اللّه ، يسمعه أهل الموقف ، لا يدرون أو لا أدري هل ذلك نداء الحق سبحانه بنفسه ، أو نداء عن أمره سبحانه ، يقول في ذلك النداء : ( يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ) فيؤتى بهم إلى الجنة ، ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانيا : ( أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ، ليجزيهم اللّه
--> فيقول : هل ينتظرون إلا أن يأتيهم اللّه بعذاب من عنده في ظلل من الغمام ، تحمل العذاب كما تحمل المطر ، كما كان في إهلاك عاد حين رأوا السحابة السوداء قد طلعت ، وكانوا مقحطين ،