ابن عربي

309

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ) فيؤمر بهم إلى الجنة ، ثم يسمعون نداء ثالثا : ( يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ، أين الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، ليجزي الصادقين بصدقهم ) فيؤمر بهم إلى الجنة ، فبعد هذا النداء يخرج عنق من النار ، فإذا أشرف على الخلق وله عينان ولسان فصيح يقول : ( يا أهل الموقف إني وكلت منكم بثلاث ) كما كان النداء الأول ثلاث مرات لثلاث طوائف من أهل السعادة ، وهذا كله قبل الحساب ، والناس وقوف قد ألجمهم العرق ، واشتد الخوف وتصدعت القلوب لهول المطلع ، فيقول ذلك العنق المستشرف من النار عليهم ( إني وكّلت بكل جبار عنيد ) فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطائر حب السمسم ، فإذا لم يترك أحدا منهم في الموقف نادى نداء ثانيا : ( يا أهل الموقف إني وكلت بمن آذى اللّه ورسوله ) فيلقطهم كما يلقط الطائر حب السمسم من بين الخلائق ، فإذا لم يترك منهم أحدا نادى ثالثة : ( يا أهل الموقف إن وكلت بمن ذهب يخلق كخلق اللّه ) فيلقط أهل التصاوير وهم الذين يصورون صورا في الكنائس لتعبد تلك الصور ، والذين يصورون الأصنام ، وهو قوله : ( أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ) فكانوا ينحتون لهم الأخشاب والأحجار ليعبدوها من دون اللّه ، فهؤلاء هم المصورون فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطير حب السمسم ، فإذا أخذهم اللّه عن آخرهم ، بقي الناس وفيهم المصورون الذين لا يقصدون بتصويرهم ما قصده أولئك من عباداتها ، حتى يسألوا عنها لينفخوا فيها أرواحا تحيا بها وليسوا بنافخين ، كما ورد في الخبر في المصورين ، فيقفون ما شاء اللّه ينتظرون ما فعل اللّه بهم ، والعرق قد ألجمهم ، قال علي

--> فسروا بذلك واستبشروا وقالوا : ( هذا عارض ممطرنا ) لكون الغيث أبدا يستلزم الغمام ، فقال تعالى : ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ) وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا رأى ذلك ، يتغير ويدخل ويخرج ، فإذا نزل الغيث وعلم أنه رحمة سكن ، فإذا رأى الناس ظلل الغمام التي هي مظنة الخير والرحمة يستبشرون ، فتبدو لهم منها من البأس والشدة ما لم يكونوا يحتسبون ( وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) وهو قوله في هذه الآية « وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » . وقوله : « وَالْمَلائِكَةُ » بالرفع والجر ، فمن جر عطف على الغمام ، فتكون الملائكة الموكلون بما ذكرناه من بأس اللّه ، فإن هذه الآية آية وعيد وتهديد ، ومن رفع فمثل قوله : ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) والأولى