ابن عربي

302

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

معد حتى يظهر ، إلا الأماكن التي عيّنها اللّه ، فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة ، مثل الروضة التي بين منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبين قبره صلّى اللّه عليه وسلم ، وكل مكان عينه الشارع ، وكل نهر ، فإن ذلك كله يصير إلى الجنة ، وما بقي فيعود نارا كله وهو من جهنم ، والجنة وجهنم عندنا مخلوقتان غير مخلوقتين ، فأما قولنا مخلوقة ، فكرجل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة ، فيقال قد بنى دارا ، وغير مخلوقة هو ما يوجد فيها نتيجة أعمال العباد .

--> جهة القربة إلى اللّه ، فإنه أمكن في العداوة لاتخاذه ذلك دينا ، ولو كان يعلم أنه حق لقال : ويشهد اللّه بفتح الياء ورفع اللّه على الفاعلية « وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ » أي شديد الخصومة في الحالتين ، إذا نازعه أحد فيه صلّى اللّه عليه وسلم خاصمه أشد الخصومة تحببا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وتملقا له ، وإذا نازعه أحد في صدق نبوة محمد أنه على الحق في محل لا يعرف أنه يصل إليه ذلك الكلام ، خاصمه أشد الخصومة في الرد على النبي والكفر به ولهذا وصفه بما قال : ( 206 ) « وَإِذا تَوَلَّى » يقول : وإذا غاب عنك « سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها » أي بالفساد « وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ » بحرق الزرع وعقر البقر « وَالنَّسْلَ » بالقتل « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » إبقاء على من أنزلت من أجله هذه الآية ، ليرجع إلى الإسلام ، وهو من القول اللين الذي أمر اللّه نبيه موسى وهارون أن يقولا لفرعون فقال : ( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ) وإن كان قد علم سبحانه أنه لا يتذكر ولا يخشى ، فقال : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » فنفى عن نفسه حب الفساد ، لعله يرجع عن هذه الصفة ، ولم يسمه لقوله : « وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ » لقصده التقرب بذلك إليه سبحانه ، ثم قال ينبه على شرفه في نفسه ، وتمكن الكبرياء من قلبه ، وأنه بمحل من العظمة في نفسه أن يقول له من هو في نفسه دونه اتق اللّه ، فقال : ( 207 ) « وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ » كبر ذلك عليه لا تكبرا على اللّه ولكن احتقارا بالمخاطب ، فأخبر تعالى أنه « أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ » أي حمية الجاهلية « بِالْإِثْمِ » أي على الإثم الذي ينهى عنه ، فيفعله لجاجا وعزة على القائل له هذا ، فأخبر سبحانه المؤمنين ليريحوا أنفسهم من مثل هذا المتكبر ، فقال : « فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ » أي كفايته جهنم ، أي جهنم تكفيكم شره « وَلَبِئْسَ الْمِهادُ » يذم مقره فيها ، قال السدي : نزلت هذه الآيات في الأخنس بن شريق ابن عمرو بن وهب بن أبي سلمة الثقفي ، واسم أمه ريطة بنت عبد اللّه بن أبي قيس القرشي ، من بني عامر بن لؤي ، وكان حليفا لبني زهرة ، أقبل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأظهر الإسلام ، فأعجب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذلك منه ، وقال : إنما جئت أريد الإسلام واللّه يعلم أني لصادق ، ثم خرج من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر ، فأحرق الزرع وعقر الحمر ، فنزلت الآيات ، وقال ابن عباس : نزلت في رجال من المنافقين ، لما أصيبت السرية أصحاب خبيب بالرجيع ،