ابن عربي
303
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 207 إلى 209 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) « فَإِنْ زَلَلْتُمْ » من زل إذا زلق « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ » أي لا يتوصل أحد إلى معرفة كنه الألوهية أبدا ، ولا ينبغي لها أن تدرك ، عزت وتعالت علوا كبيرا « حَكِيمٌ » فإن الحق تعالى ما هو فعله مع الأغراض التي أوجدها في عباده ، وإنما هو مع ما تطلبه الحكمة ، والذي اقتضته الحكمة هو الواقع في العالم ، فعين ظهوره هو عين الحكمة ، فإن فعل اللّه لا يعلل بالحكمة بل هو عين الحكمة ، فإنه لو علل بالحكمة لكانت الحكمة هي الموجبة له ذلك ، فيكون الحق محكوما عليه ، والحق تعالى لا يكون محكوما عليه .
--> بين مكة والمدينة ، قال المنافقون : يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا [ كذا ] ، لا هم قعدوا في بيوتهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، ثم قال : ( 208 ) « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ » الآية ، لما باع المؤمن نفسه من اللّه ، واشتراها اللّه منه ، أخبرنا بذلك فقال : « وَمِنَ النَّاسِ » عامة « مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ » وهو المؤمن يبيع نفسه من اللّه بالجهاد في سبيله ، أو كلمة حق عند أمير جائر ، يغلب على ظنه أنه يقتله إذا أمره بمعروف أو نهاه عن منكر ، طلبا لمرضاة اللّه ، أي ليرضى اللّه عنه بذلك ، « وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » حيث لم يعزم عليهم في ذلك ، ولا كلفهم ، بل وسع عليهم على ثلاثة أنحاء ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده - فهذا أقواهم إيمانا - فإن لم يستطع فبلسانه - وهذا ضعف عن الأول - فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان ] فهذا من رأفته بعباده ( 209 ) « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً » نزلت في جماعة من مؤمني أهل الكتاب ، منهم عبد اللّه بن سلام ، استأذنوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أن يعملوا ببعض ما في التوراة من أمر السبت وغيره ، فنزلت « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » أي صدقوا بما جاء من عندنا « ادْخُلُوا »