ابن عربي
293
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) رفع اللّه الحرج عمن يبتغي فضلا من ربه ، وهي التجارة « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ » ولم يخص مكانا من مكان ، وعرفات كلها موقف ، وعرنة من عرفات ، فمن وقف بعرنة فحجه تام إلا أنه ناقص الفضيلة ، فإنه موقف إبليس ، فهو موضع مكروه الوقوف به من
--> مخالف في الإعراب للفسوق والرفث ، فكان الحكم فيه أشد ، وقد قيل في تفسير ذلك وجوه : أولاها وأحسنها وأوجهها أن العرب كانت تختلف في ذلك كثيرا ، وهو قوله تعالى : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) فكانت العرب تحج وقتا في المحرّم ووقتا في ذي الحجة ، لتجمع بين حجتين في سنة ، وتنقل أسماء الأشهر بعضها لبعض في وقت ، ثم ترد أسماءها عليها في وقت آخر ، فتقول في صفر وربيع الأول صفران ، وفي ربيع الآخر وجمادى الأولى ربيعان ، وفي جمادى الآخرة ورجب جمادان ، وتسمي شعبان رجب ، وتسمي رمضان شعبان ، وتسمي شوالا رمضان ، وتسمي ذا القعدة شوالا ، وتسمي ذا الحجة ذا القعدة ، وتسمي المحرم ذا الحجة ، فتحج في المحرم تلك السنة ثم ترد أسماء الشهور عليها ، فتقول لصفر صفر ، ولربيعين ربيعان ، ولجمادين جمادان ، ولرجب رجب ، وكذلك شعبان ورمضان ثم شوال ، ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة ، فتحج فيه ، فتكون لها حجتان في اثني عشر شهرا ، فقال تعالى : « لا جِدالَ فِي الْحَجِّ » فنفى أن يعدل باسم الشهر عن مسماه ، وقال النبي عليه السلام في ذلك : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه اللّه ، السنة اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان ، وأبطل النسأة ، فلا جدال في ذلك ، ثم قال : « وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ » هذا من كرمه ولطفه التصريح بالخير والإغضاء عن الشر ، ولا شك أن من المعلوم أنه من يعلم الخير يعلم الشر ، فأخبر عن علمه بالخير ليتحقق العبد الجزاء عليه ، وكف عن التعريف بالعلم بالشر مع كونه عالما به ، ليعلم العبد من كرم اللّه أنه قد لا يؤاخذ به ويعفو ، على أنه قد كان من العرب من يعتقد ما اعتقده بعض النظار من أن اللّه لا يعلم الجزئيات ، ولكن باعتبار آخر غير اعتبار النظار ، وقد كان بعض العرب يعتقد أنه إذا تكلم جهرا سمعه اللّه ، وإذا تكلم سرا لم يسمعه اللّه ، فأخبر اللّه في هذه الآية أنه عالم بكل