ابن عربي

294

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أجل مشاركة الشيطان ، فما أراد صلّى اللّه عليه وسلم بارتفاعه عن بطن عرنة إلا البعد من مجاورة الشيطان « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » وهو المزدلفة ، وسماها اللّه بالمشعر الحرام لنشعر بالقبول من اللّه في هذه العبادة بالعناية والمغفرة وضمان التبعات ، ووصفه بالحرمة لأنه في الحرم ، فيحرم فيه ما يحرم في الحرم كله ، فإنه من جملته ، فأمر بذكر اللّه فيه ، يعني بما ذكرناه ، فإن الشيء لا يذكر بأن يسمى ، وإنما يذكر بما يكون عليه من صفات المحمدة ، ومنها الصلاة ، فقد أجمع العلماء على أنه من بات بالمزدلفة وصلى فيها المغرب والعشاء وصلى الصبح يوم النحر ووقف بعد الصلاة إلى أن أسفر ثم دفع إلى منى أن حجه تام .

--> ما يفعله العبد من خير في هذه العبادة وغيرها ، ولم يذكر الشر لأنه لم يشرع في هذه العبادة شيئا من الشر ، فهو تأكيد لقوله : « وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ » أي لا يفعل في الحج إلا ما شرع أن يفعل في الحج ، واختلفوا في نكاح المحرم وإنكاحه بمعنى العقد لا بمعنى الوطء ما حكمه ؟ وفي هذه المسألة عندي نظر إذا وطئ قبل الوقوف بعرفة ، لأن زمان جواز وقوع الإحرام ما انصرم ، وليس هذا التفسير موضع تفريع المسائل إلا إذا تكلم في أحكام القرآن لمن يستوعب الكلام فيه بإيراد الأحاديث في الأحكام المشروعة ، إذ كان الكتاب أحد الأدلة المشروعة ، وقوله : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » يحرض في هذه الآية على التكثير من الزاد لمن أراد الحج من أهل الآفاق ، وتضعيفه لطول الطريق ومفازاته ، وما يطرأ فيه من العوائق ، فيطول الزمان على الحاج فقال : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » وهو ما يقي به المرء وجهه عن السؤال عند الحاجة ، فإن السؤال يذهب بماء الوجه ، ولا شك أنه من لم يتزود ولا استكثر من الزاد في الغالب فإنه ما وقى وجهه عن السؤال ، إذ كان معرضا للحاجة ، فهذا معنى التقوى هنا ، وكذا قوله : ( وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ) من هذا الباب ، غير أنه على وجه آخر ونسق غير هذا ، ثم قال مما يؤيد ما ذهبنا إليه في تفسير التقوى : « واتقوني يا أولي الألباب » فخاطب أهل العقول والاستبصار ، وهم الخاصة من عباده الذين نوّر اللّه قلوبهم بالعقل عن اللّه ، فقال لهم : « واتقوني يا أولي الألباب » إذ كان أصحاب الزاد يتخذونه اتقاء الحاجة ، فأنا أولى من يتقى ، إذ كان بيدي إنزال الحاجة ورفعها ، فالعالم العاقل عن اللّه الأديب يستكثر من الزاد في طريق الحج اتقاء اللّه أن ينزل به الحاجة إليه ، إذ العبد معرض لذلك ولو بلغ ما بلغ ، قال أيوب عليه السلام : ( مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) وقال عليه السلام : ( أخرجني الجوع ) والعامة من العباد يستكثرون من الزاد اتقاء الحاجة إليه مع الغفلة عن اللّه ، فلهذا ضمنت الآية النوعين من التقوى ، العام والخاص ، ثم قال : ( 199 ) « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ » الآية ، يقول لا إثم عليكم في هذه العبادة