ابن عربي
250
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 176 إلى 177 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 ) « وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ » سمي المال مالا لأنه يميل بصاحبه ولا بد ، إما إلى خير وإما إلى شر لا يتركه في حال الاعتدال . . . « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا » عهدا مشروعا ، فهم قوم تولاهم اللّه بالوفاء ، لا يغدرون إذا عاهدوا ، والوفاء من شيم خاصة اللّه ، فمن أتى في
--> شرفا لذلك نفاه عنهم ، وقوله : ( اخْسَؤُا فِيها ) على هذا يكون كلام الملك عن اللّه قال تعالى : ( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ، وقوله : « وَلا يُزَكِّيهِمْ » أي لا يطهرهم ولا ينمي خيرهم « وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » * موجع ، وقوله : ( 176 ) « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى » فأما في حق الكفار فقد بيناه في أول السورة ، وأما ما يختص بالحاكم من هذا ، فهو أن الحق الذي كتمه ولم يحكم به هو الذي اشترى بكتمانه إياه الثمن القليل ، أو الضلالة التي حكم بها ، ولو أراد الشراء بالذي حكم به لم يقل بالهدى ، لأنه ليس عنده هدى ، وإنما هو ضلالة ، وما ذكر أنه اشترى بالضلالة « وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ » لما كان الهدى مكتوما في هذه القضية جعل المغفرة التي هي الستر ، [ للهدى ] وجعل العذاب للضلالة ، وقوله : « فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » تعجبا يدل على أنهم عارفون بالحق ، وأنهم مؤاخذون من عند اللّه ، فقام لهم هذا العلم مقام من هو في النار ، وقوله : ( 177 ) « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » يقول : وما عملوا ، ومن ذلك أنه تعبده بما يغلب على ظنه أنه الحق فلم يحكم به ، « وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ » ليسوا المؤمنين ولا علماء أهل الكتاب فإنهم عالمون به ، وإنما هذا في الطائفة التي قالت في الكتاب إنه شعر وسحر وغير