ابن عربي

251

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أموره التي كلفه اللّه أن يأتي بها على التمام وكثر ذلك في حالاته كلها فهو وفيّ وقد وفّى ، قال تعالى : ( وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) يقال وفي الشيء وفيا على فعول بضم فاء الفعل إذا تم وكثر « وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » من كان حاله التقوى والاتقاء كيف يفرح ويلتذ ، من يتقي ، فإن تقواه وحذره وخوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه ، وعلمه بأنه مسؤول عنه لا يتركه يفرح ولا يسر ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ أنا أتقاكم للّه وأنا أعلمكم بما أتقي ] . إشارة - « أُولِي الْقُرْبى » أقرب أهل الشخص إليه نفسه فهي أولى بما يتصدق به من غيرها ، ولكل متصدّق عليه صدقة تليق به من المخلوقين ، ثم جوارحه ، ثم الأقرب إليه بعد ذلك ، وهو الأهل ثم الولد ثم الخادم ثم الرحم ثم الجار ، كما يتصدق على تلميذه وطالب الفائدة منه ، وإذا تحقق العارف بربه حتى كان كله نورا ، وكان الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، كان حقا كله ، فمن كان من أهل اللّه فهم أهل هذا العارف الذي ذكرناه ، فإنه حق كله ، فإذا تصدق على أهل اللّه فهو المتصدق على أهله ، إذا كان المتصدق بهذه المثابة ، ومن تصدق على نفسه بما فيه حياتها كانت له صدقة وصلة باللّه ، الذي الرحمن من نعوته ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله اللّه - والمال في الاعتبار العلم وزكاة العلم تعليمه .

--> ذلك ، وقوله : « لَفِي شِقاقٍ » يوم القيامة في عذاب يشق عليهم حمله « بَعِيدٍ » زواله عنهم ، وقد يكون عبارة عن منازعتهم فيه ومشاققتهم بعضهم مع بعض ، ويكون قوله : « بَعِيدٍ » يعني عن إصابتهم الحق في ذلك ( 178 ) « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ » الآية ، يخاطب اليهود والنصارى لما كثرت قالتهم في تحويل القبلة ، وكل طائفة منهم تحب أن تستقبل قبلتها ، فأنزل تعالى « لَيْسَ الْبِرَّ » ما أنتم عليه من تولية وجوهكم في صلاتكم « قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ » أي الإحسان المقرب إلى اللّه « مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » أي بر من آمن باللّه ، والوجه عندي في ذلك لما كانت الآية تقتضي المدح والثناء بقيام هذه الأوصاف التي عددها ذكر من قامت به تهمما به ، إذ كانت الصفة إذا تحقق بها الموصوف هي والموصوف كالشئ الواحد ، فأقام من الذي هو الموصوف مقام الإيمان الذي هو الصفة ، وهو مبالغة في الثناء ، فالمعنى : ولكن البر الإيمان باللّه أي وجود اللّه وتوحيده ، وفي هذا رد على المعطل والمشرك « وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » خلافا لمنكري البعث الجسماني « وَالْمَلائِكَةِ » خلافا لمن يجعلها قوى « وَالْكِتابِ » يريد الكتب المنزلة من عند اللّه ، والألف واللام للجنس ، خلافا لمنكريها أنها من عند اللّه من أهل النظر « وَالنَّبِيِّينَ » خلافا للبراهمة