ابن عربي

199

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) دعا إبراهيم عليه السلام لمكة بالبركات ، فإنه إذا بورك في الأم بورك في البنات .

--> في ارتقاء وتطهير ، وأحسن بيت رأيته ورويته أن يليق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قول بعضهم : [ تخيرك اللّه من آدم . . . فما زلت منحدرا ترتقي ] فأمرهما اللّه أن يطهراه من الأقذار المحسوسة كما صب النبي عليه السلام الماء على بول الأعرابي ، وبيّن أن المساجد لا تصلح لشيء من هذا ، وغير المحسوسة أيضا ، وهو تطهيره من هجر القول وسوئه وجعل الأوثان فيه والأصنام ودخول المشركين فيه ، وجميع ما يقع عليه اسم تطهير شرعا وعرفا ، مطلقا من غير تخصيص ، فإنه سبحانه ما خصص لنا ، وقوله : « لِلطَّائِفِينَ » الذين يطوفون بهذا البيت من جميع أصناف الطائفين ، ثم قال : « وَالْعاكِفِينَ » يريد المقيمين فيه من المجاورين ومن أهله ، وأرجو إن شاء اللّه أن يكون أجرهم أجر المعتكف الاعتكاف المشروع ، ولا سيما على مذهب بعضهم حيث جوز للمعتكف في غير المسجد مباشرة النساء ، وقد يستروح من هذا أنه من أراد الاعتكاف في نفس البيت لا يمنع ، وأن المعتكف في الحرم أي المقيم فيه من غير طواف ولا صلاة أنه في عبادة بمجرد الإقامة ، وقوله : « وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » يريد المصلين والساجدين في التلاوة ، والراكعين الخاضعين وإن لم يكونوا مصلين إذ الركوع الخضوع ، ثم قال : ( 127 ) « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » لما أخبر اللّه تعالى نبيه إبراهيم أن اللّه جعل بيته أمنا لمن عاد به وجاوره ، دعا إبراهيم ربه أن يجعل البيت أيضا آمنا في نفسه من تسليط الجبابرة عليه بالهدم والتخريب لغير المصلحة وعدم الاحترام ، فما زال محترما عند كل جبار ، ومن قصده لانتهاك حرمته وهدمه فإنه لا يقدر على ذلك ، كأصحاب الفيل وغيرهم ، حتى يأتي وعد اللّه عند قرب الساعة فيسلط عليه الأحابشة ، وأما الحجاج فما قصد إلا عبد اللّه بن الزبير بتأويل رآه ، ونحن إنما تكلمنا فيمن قصده لعينه الذي دعا فيه إبراهيم ، وقوله : « وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ » لما رآه واديا غير ذي زرع ، فهو تجبى إليه ثمرات كل شيء من أداني القرى وأقاصيها رزقا من عند اللّه لدعوة إبراهيم ، وقوله : « مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » أدبا مع اللّه حيث قال له من قبل لما سأله فقال : ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ