ابن عربي
177
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وفيها السرور والحزن ، وفيها السر والعلن ، وما في الآخرة أمر إلا وفيها منه مثل ، وهي الأمينة الطائعة للّه ، أودعها اللّه أمانات لعباده لتؤديها إليهم وهي ترقب أحوال أبنائها ما يفعلون بتلك الأمانات التي أدتها إليهم ، هل يعاملونها بما تستحق كل أمانة لما وضعت له ، فمنها أمانة توافق غرض نفوس الأبناء ، فترقبهم هل يشكرون اللّه على ما أولاهم من ذلك على يديها ، ومنها أمانات لا توافق أغراضهم ، فترقب أحوالهم هل يقبلونها بالرضى والتسليم لكونها هدية من اللّه ، فيقولون في الأولى : الحمد للّه المنعم المفضل ، ويقولون فيما لا يوافق الغرض : الحمد للّه على كل حال ، فيكونون من الحامدين في السراء والضراء ، فتعطيهم الدنيا هذه الأمانات نقية طاهرة من الشوب ، فبعض أمزجة الأبناء الذين هم كالبقعة للماء والأوعية لما يجعل فيها ، فيؤثر مزاج تلك البقعة في الماء والماء كله طيب عذب في أصله ، قال قتادة : ما أنصف الدنيا أحد ، ذمت بإساءة المسئ فيها ، ولم تحمد بإحسان المحسن فيها ، فلو كانت بذاتها تعطي القبح والسوء ما تمكن أن يكون فيها نبي مرسل ولا عبد صالح ، كيف واللّه قد وصفها بالطاعة فقال : إن علوها وسفلها قالا : أتينا طائعين ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إذا قال أحدكم : لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا : لعن اللّه أعصانا لربه ، فهذا ابن
--> ( 1 ) هكذا في الأصل والصواب ولم يمنع .