ابن عربي
178
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
عاق لها ، كيف لعنها وصرح باسمها ، والدنيا من حنوها على أبنائها لم تقدر أن تلعن ولدها ، فقالت : لعن اللّه أعصانا لربه ، وما قدرت أن تسميه باسمه ، فهذا من حنو الأم وشفقتها على ولدها ، فيا عجبا فينا لم نقف عندما أمرنا اللّه به من طاعته ، ولا وفقنا ولا وفينا ما رأيناه من أخلاق هذه الأم وحنوها علينا ومحبتها ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : نعمت الدنيا مطية ، عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ، فوصفها بأن حذرها على أبنائها تذكرهم بالشرور وتهرب بهم منها ، وتزين لهم الخير وتشوقهم إليه ، فهي تسافر بهم وتحملهم من موطن الشر إلى موطن الخير وذلك لشدة مراقبتها إلى ما أنزل اللّه فيها من الأوامر الإلهية المسماة شرائع ، فتحب أن يقوم بها أبناؤها ليسعدوا . فهذا صلّى اللّه عليه وسلم قد وصفها بأحسن الصفات وجعلها محلا للخيرات ، والناس نسبوا ما كانوا عليه من أحوال الشرور التي عيّنها الشارع إلى الدنيا ، وهي أحوالهم ما هي أحوال الدنيا ، لأن الشر هو فعل المكلف ما هو الدنيا ، ونسبوا ما كانوا عليه من أحوال الخير ومرضات اللّه التي عينها الشارع للآخرة ، وهي أحوالهم ما هي أحوال الآخرة ، لأن الخير هو فعل المكلف ما هو الآخرة ، فللدنيا أجر المصيبة في أولادها من أولادها ، فمن عرف الدنيا بهذه المثابة فقد عرفها ، ومن لم يعرفها بهذه المثابة وجهلها مع كونه فيها مشاهدا لأحوالها شرعا وعقلا فهو بالآخرة أجهل ، فراقبوا اللّه هنا عباد اللّه ، مراقبة الدنيا أبناءها ، فهي الأم الرقوب ، وكونوا على أخلاق أمكم تسعدوا .
--> المسجد الحرام ومن المساجد ومنع المشرك من سائر المساجد أولى ، لقوله تعالى : ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) إلا أن يقترن بذلك أمر أو حالة فلا بأس ، فوصف اللّه بالظلم الشديد من منع المسجد ممن أراد أن يذكر اللّه فيه بصلاة وغيرها ، ولم يخص أهل دين من أهل دين إذا كان قصد الداخل إليها ذكر اللّه فيها ، فهذا قوله : ( أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ، وقوله : « وَسَعى فِي خَرابِها » وجهان : الوجه الواحد هدمها وإزالة رسمها ، حتى لا يبقى لها حد يعرف من غيرها من المواضع ، وقد لعن اللّه من غير منار الأرض لما يؤدي ذلك إليه من إبطال الوقوف وأكل الأموال بالباطل ، فإن خرب سلطان أو أحد مسجدا لما في بقائه من الضرر لمنازلة عدو ومحاصرة بلد ، أو لمنفعة لاتساع خندق أو موضع قتال ، ففيه نظر ، وهل يبني المخرب له عوضا منه في موضع آخر ويرد الوقف الذي كان له إلى ما بناه بدلا منه ؟ أو لمن يرجع الوقف هل لصاحبه أو لبيت المال أو لما يبنى بدله ؟ والوجه الآخر منع الذكر فيها سعي في خرابها ، إذ كان بناؤها لإقامة ذكر اللّه ، وأما