ابن عربي

167

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وانتظام الشمل . ولما علم سبحانه أن الافتراق لا بد منه لكل مجموع مؤلف لحقيقة خفيت عن أكثر الناس شرع الطلاق رحمة بعباده ليكونوا مأجورين في أفعالهم غير مذمومين إرغاما للشياطين ، ومع هذا فقد ورد في الخبر النبوي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ما خلق اللّه حلالا أبغض إليه من الطلاق ، « وَما هُمْ » أي السحرة « بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » فإنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه سبحانه .

--> محمدا صلّى اللّه عليه وسلم « مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ » أي لما بأيديهم من التوراة « نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » يعني اليهود « كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » قد يريد بالكتاب المنبوذ هنا التوراة والقرآن ، وقد يريد أحدهما ، وهو كناية عن ترك العمل به حيث ألقوه خلف ظهورهم « كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ » شبههم بالمقلدة في فعلهم ، وقد يحتمل أن يكون المعنى ، كأنهم لا يعلمون ، تقريرا لعلمهم بذلك ولكنهم نقضوا عهد اللّه وفسقوا ، يقول نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم فلم يعملوا به ( 103 ) « وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ » من السحر والشعوذة « عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ » على عهد سليمان ، أي في زمن ملكه « وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ » أي لم يكن علمه سحرا ولا شعوذة ، بل علمه حق من عند اللّه « وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا » بما دونوه من علم السحر وخلطوه بما أنزل على الملكين هاروت وماروت من الحق ، والشياطين « يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ » الأمرين معا ممزوجا « بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ » فإذا أتى السائل إلى الملكين ليعلماه ، يقولان له « إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ » أي إنما نزلنا للتعليم اختبارا ، فإن الشياطين يعلمون الناس السحر ممزوجا بما أنزل علينا « فَلا تَكْفُرْ » أي لا تأخذ من الشياطين فإنك لا تفرق بين الحق من ذلك والباطل ، ثم قال « فَيَتَعَلَّمُونَ » يعني الناس « مِنْهُما » أي من العلمين ، علم السحر والعلم الذي أنزل على الملكين « ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ » الرجل « وَزَوْجِهِ » أي امرأته ، وإنما قبله منهم المتعلم لأمرين : الواحد لامتزاجه بالحق الذي أنزل على الملكين ، فإن الشياطين تتصور في صور علمائهم وتقول لهم : هذا هو الذي أنزل على الملكين ، فيصدقونهم ، فيلقون إليهم ما يضرهم ولا ينفعهم من علم السحر ، وأما من اقتصر على الملكين ولم يتعداهما فما علّم إلا حقا منزلا من عند اللّه ، وما نزل من عند اللّه لا يكون كفرا وضلالا ، وهو قوله « وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ » وكل لفظة كفر في هذه القصة قد يكون ضد الإيمان ، وقد يكون بمعنى ستر الحق ، فإن الكفر الستر في اللغة ، وكلا الوجهين في الترجمة عن ذلك صالح ، ثم قال « وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ » يناقض قوله « لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »