ابن عربي
168
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 103 إلى 104 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) تختلف الأحكام باختلاف الألفاظ التي وقع عليها التواطؤ بين المخاطبين ، وإن كان المعنى واحدا فالمصرف ليس بواحد .
--> بعد هذا فيما يظهر ، فقوله « وَلَقَدْ عَلِمُوا » يعود الضمير على من سأل الملكين فقالا له لا تكفر « ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » فإن من كفر لا خلاق له في الآخرة ، فكأنهم قالوا نحن نتعلم منهم ذلك ولا نعمل به ، فإن العلم بالشيء يورث التوقي مما فيه من الضرر لمن جهله ، فلما علموه قامت لهم الأغراض وطلب الرئاسة وتحصيل ما يشتهون بهذا العلم فعملوا به ، فكفروا ، فهو قوله « وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ » أي باعوا به « أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » أن ذلك يقودهم إلى العمل لما في طيه مما في عمله من تقدمهم على أبناء جنسهم ، والافتقار إليهم في آثار ذلك ونيل أغراضهم ، فهذا هو الذي جهلوه ، والذي علموا هنالك لم يكن هذا الذي جهلوه ، وقد بان المقصود من الآية على غاية الاختصار ونزهنا الملائكة فإن اللّه قد أثنى عليهم ، وما بلغنا قط عن اللّه تعالى أنه جرح أحدا من الملائكة ، ثم قال ( 104 ) « وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا » قد يعود الضمير في آمنوا على الذين سألوا الملكين وما سمعوا منهم ، ولا اتقوا اللّه حين قالوا لمن سألهم لا تكفر باتباع الشياطين لأنهم خلطوا الحق بالباطل ، فقال اللّه فيهم « وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا » أي صدقوا الملكين « وَاتَّقَوْا » واتخذوا ما قالاه لهم وقاية « لَمَثُوبَةٌ » لحصلت لهم من ذلك مثوبة من اللّه وخير « مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » وقد يحتمل أن يعود الضمير على اليهود في الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال ( 105 ) « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا » هذا خطاب للمؤمنين ، فإن اليهود كانت تقول هذه الكلمة بلسانها على طريق السب ، فلما سمع اليهود يخاطب بها المؤمنون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرحوا بذلك ، ليقولوها كما يقولها المؤمنون على المعنى الذي تريده اليهود من السب ، وسيأتي شرحها في سورة النساء إن شاء اللّه ، فنهى المؤمنين عن أن يخاطبوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومعناها اسمع منا يا رسول اللّه غرضا لحفظهم ما خاطبهم به ، فقال لهم « وَقُولُوا انْظُرْنا » أي انتظرنا حتى نحفظ ما خاطبتنا به من كلام اللّه ، يقول اللّه للمؤمنين « قُولُوا انْظُرْنا » « وَاسْمَعُوا » ما تؤمرون به « وَلِلْكافِرِينَ » يعني الذين يقولون راعنا على غير المعنى الذي قاله المؤمنون « عَذابٌ أَلِيمٌ » موجع من الألم ، وهو الوجع ، ويقال بالسريانية والعبرانية ( راعينا ) بالياء والنون ، وأما من قرأ