ابن عربي
150
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » وهبوط القلوب المشبهة بالحجارة في هبوطها هو نزولها من عزتها إلى عبوديتها ، ونظرها في عجزها وقصورها بالأصالة ، فالخشية من خصائص العلماء باللّه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 75 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) هذه الآية تدل على أن التوراة ما تغيرت في نفسها ، وإنما كتابة اليهود إياها وتلفظهم بها لحقه التغيير ، فنسب ذلك إلى كلام اللّه فقال : « ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » أن كلام اللّه معقول عندهم ، وأبدوا في الترجمة عنه خلاف ما هو في صدورهم عندهم وفي مصحفهم المنزل عليهم ، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل ، وأبقوا
--> مع كثرة الآيات والنعم تكثر منهم المخالفات وسوء الأدب مع اللّه ، فعقوبة القاتل إخراج مكتومه بإحياء الميت ، وعقوبة قومه على قولهم ( أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ) لمثل موسى عليه السلام ما ابتلوا به من السؤال عن البقرة حتى رزءوا في أموالهم بما وزنوه من ثمنها ، وأما قوله « وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ » وكل ما يقع منها مما ذكره « مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » أي من رجائهم وخوفهم ، لأن الخشية تتضمن الرجاء والخوف ، فأما وصفها بتفجير الأنهار فهو كثرة بكائها ، والماء الخارج من التشقق للبكاء الذي لم يبلغ في الكثرة مبلغ الأنهار ، ومنها بكاء فرح وبكاء حزن ، فبكاء الحزن من خوف التفريط فيما كلفته من التسبيح ، كالمياه الكبريتية الحارة المالحة ، وبكاء الفرح والسرور بما وفقت له من ذكر اللّه كالمياه الباردة العذبة ، وما بينهما من أصناف المياه كما بينهن من الأحوال في امتزاجاتها ، من خلط الحزن بالسرور والفرح على حسب ما يغلب عليها ، والمياه شبيه الدموع ، وذكر ما هبط منها في مقابلة ما تكبروا به على أمر اللّه ، ثم هددهم وأوعدهم مجملا فقال « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » بالتاء والياء على الغيبة والحضور ، فالحضور له سبحانه ، والغيبة خطاب لموسى ولمن عرفهم بذلك ، ثم قال لمحمد عليه السلام وأمته ( 76 ) « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » الآية ، هذه مسئلة مشكلة وليس لها مخرج إلا ما روي عن عيسى عليه السلام لما لقيه إبليس وكان غرضه أن يطيعه ولو في الدلالة على الخير ، فقال له ( يا عيسى قل لا إله إلا اللّه ) فقال عيسى عليه السلام ( أقولها لا لقولك لا إله