ابن عربي
151
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الأصل على ما هو عليه ليبقى لهم العلم ولعلمائهم ، فما هو عند علمائهم محرف ، وهم يحرفونه لأتباعهم فأضلهم اللّه على علم ، فالتوراة مع اختصاصها بأن اللّه كتبها بيده لم يحفظها من التبديل والتحريف الذي حرفه اليهود . وحفظ كلام اللّه ، وعصمته إنما يعصم لأنه حكم ، والحكم معصوم ومحله العلماء به ، وتولى اللّه فينا حفظ ذكره واستحفظ كتابه غير هذه الأمة فحرفوه وهم يعلمون بمخالفتهم ( راجع المائدة - 14 ) .
--> إلا اللّه ) وهؤلاء المنافقون قد قالوا آمنا بألسنتهم وهم يعلمون أنه رسول اللّه حقا ، لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم ، وهم مصدقون بقلوبهم لأنهم لا ينكرون علمهم ، وأقروا بألسنتهم للمؤمنين إذا لقوهم ، فلم يبق سلب الإيمان عنهم إلا كونهم لم يقولوا : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم ، قال تعالى ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) لا في قولهم ، فإنهم قالوا حقا ، ولا في بواطنهم ، فإنهم عالمون أنه رسول اللّه من كتابهم ، فلم يبق تكذيب اللّه لهم إلا أنهم أظهروا أنهم قالوها لقوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن كذلك ، فهذا معنى قوله لنبيه عليه السلام وأصحابه « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » فيكون سرهم وعلانيتهم أن قالوها لقولك سواء ، هذا لا يكون منهم ، بل يجرون على ما كان عليه بعض أسلافهم ، وهو قوله « وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ » فيحتمل إضافة سماع الكلام لهم وجهان ، الواحد أن يكون سماعهم من تلاوة موسى عليهم كتابهم ، مثل قوله تعالى ( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ويحتمل أنهم سمعوا كلام اللّه كما سمعه موسى حين كلمه ربه على الطور وقد ذكر ذلك ، ووقع الإشكال من قوله « ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ » ما ضبطوه ، فلو لم يذكر التحريف كان يتقوى أنهم سمعوا كلام اللّه حين كلم موسى ، وكان يتعين أنهم السبعون الذين اختارهم ، وقوله « ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ » يغيرونه إما بحذف بعض الكلام ليزول المعنى ، مثل قولهم [ ومن يبتغ الإسلام دينا ] فأزالوا غير ، وإما أن يزيدوا فيه كلاما حتى يتغير المعنى إلى ما يريدونه ، وقوله « وَهُمْ يَعْلَمُونَ » يحتمل أن يكون الضمير يعود على قوم موسى أنهم عالمون بما حرفوا ، ويحتمل أن يعود على يهود المدينة « وَهُمْ يَعْلَمُونَ » أنك رسول اللّه وأنك على الحق ، كما علم أسلافهم وغيّروا ، كذلك هؤلاء إذا فارقوكم يظهرون لإخوانهم أنهم بخلاف ما ظهروا لكم به من الإقرار والانقياد ، ثم قال تعالى ( 77 ) « وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا » كان المنافقون إذا لقوا الذين آمنوا « قالُوا آمَنَّا » أي صدقنا « وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ » كان المسلم إذا خلا بأحد من ذوي رحمه من المنافقين يقول له المسلم : إن رسول