ابن عربي

142

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 63 إلى 65 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) ظهر المسخ في بني إسرائيل بالصورة فمسخهم اللّه قردة وخنازير .

--> من صبأ إذا مال من دينه إلى دين آخر ، يقول « مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » صدق من هؤلاء المذكورين بقلبه « وآمن باللّه » يقول بتوحيده ، أي بوحدانيته « وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » يقول بالبعث ، أي بوجود يوم القيامة « وَعَمِلَ صالِحاً » ولم يدخل في عمله خللا من شرك خفي ولا جلي « فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ » جزاء عملهم « عِنْدَ رَبِّهِمْ » أي عند سيدهم الذي استخدمهم وكلفهم بالأعمال ، وهو اللّه تعالى « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » زائد على الجزاء بما حصّلوا من النعيم في مقابلة ما فعلوا من الخير الذي له عين موجودة ، وما وصفوا به من نفي الخوف والحزن عنهم فيما تركوا مما أمروا بتركه ، فسلب لسلب ، وإثبات لإثبات ( 64 ) « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ » أما قوله « وَإِذْ أَخَذْنا » بنون الجمع لوساطة الرسل في ذلك ، فهم الذين أخذوا المواثيق للّه على أممهم ، فأخذ الميثاق من اللّه ورسوله ، فلهذا كنّى سبحانه بالنون ، وليس لنا ذلك إلا بأمر منه سبحانه ، وقد قال عليه السلام لمن جمع بين اللّه ورسوله في الضمير في خطبته ( بئس الخطيب أنت ) ، فهذا ضمير المخاطبين يعود على كل من أخذ عليه الميثاق مطلقا ، من أخذ الذرية إلى نبوة محمد عليه السلام ، وهو الإقرار بالوحدانية وبما يجيء من عند اللّه في كتبه أو على ألسنة رسله مما يجب الإيمان به ، ثم خصص في الخطاب بعض من أخذ عليه الميثاق في قوله « وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ » أراد بني إسرائيل بهذا الخطاب خاصة ، وذلك لما امتنعوا من قبول كتابهم والحفظ له والعمل به لما فيه من التكاليف الشاقة عليهم ، فاقتلع اللّه الجبل ورفعه عليهم كالظلة ، إن لم يقبلوا الكتاب ويوفوا بعهد اللّه وميثاقه وإلا أوقع عليهم الجبل ، وقال لهم والجبل على رؤوسهم « خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » أي اقبلوا ما أعطيناكم بجد وعزم على حفظه والعمل به ، وقد يكون العامل في الباء من بقوة « آتَيْناكُمْ » أي خذوا ما أعطيناكم تقوية على ما كلفتموه لما يتضمن من الوعد الجميل والثواب الجزيل لمن عمل فيه ، ولما يتضمن من الوعيد