ابن عربي
143
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 66 إلى 67 ] فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) المناسبة بين البقر والإنسان قوية عظيمة السلطان ، وكما أن البقر برزخ بين الإبل والغنم
--> والتهديد لمن ترك العمل بما فيه ، فيكون وقوفكم عليه وقراءتكم له محرضا وتقوية على العمل به ، ويؤيد هذا قوله « وَاذْكُرُوا ما فِيهِ » ثم جاء بلفظة « اذْكُرُوا ما فِيهِ » مما تقدم من أخذ المواثيق في ذلكم عليكم ، ومما يتضمنه من نعم اللّه عليكم ، إذ أوجدكم واصطفاكم بما ذكره فيه زائدا على ما فيه مما شرع لكم « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » يقول لهم الرسول بأمر اللّه « لَعَلَّكُمْ » فيكون الترجي من الرسول أن تتقوا أو منهم أن يكونوا من المتقين ، وقد ذكرنا تفسير « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » والمتقي من هو في أول السورة ، ثم قال تعالى ( 65 ) « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » أي أعرضتم لما رفعنا عنكم ما ظننتم أنه واقع بكم ، وهو الجبل وإليه الإشارة « بذلك » وهو قوله تعالى ( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ) « فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ » بكم حيث لم يعاقبكم بسقوط الجبل عليكم فتموتون ناكثين ، فتكونون من الذين لم تربح تجارته وكنتم خاسرين « لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » قال لهم ذلك ليرجعوا عن توليهم وإعراضهم ونكثهم ، فإن احتجوا بالفاء في قوله « فَلَوْ لا » أنها للتعقيب ، قلنا : كذا وردت ، فإنه سبحانه لما رفع الجبل على رؤوسهم ، لولا فضله ورحمته أسقطه عليهم ، ولم ينتظر بهم أن يأخذوا الكتاب ، لا أنهم بعد التولي الثاني تفضل عليهم بالتوبة ، ثم قال تعالى ( 66 ) « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ » خطابا لبني إسرائيل « الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ » بعّضهم ، أي جاوزوا ما حد لهم أن يفعلوه ويتركوه « فِي » يوم « السَّبْتِ » من ترك الصيد فيه والمثابرة على طاعته ، وهم الذين تولوا ونكثوا ، وما ذكر أنه تاب عليهم ، ثم قال « فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا » هو قوله ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وقال عليه السلام وهو في غزوة تبوك وقد أبصر شخصا مقبلا على بعد وهو في أصحابه : كن أبا ذر ، فكان أبو ذر ، فكان ، والكون حرف وجودي عند الجماعة ، وعندنا حرف ثبوتي ، فإنه يتوجه على الإيجاد والإعدام ، والعدم يثبت للمعدوم ولا يكون له ، وهذه مسئلة عظيمة القدر ، فإنه ليس في قوتهم أن يكوّنوا أنفسهم « قِرَدَةً » وإنما اللّه يكونهم أي يقلب صورهم قردة ، والحقائق لا تتبدل ، فمن المخاطب بأن يرجع قردا ؟ فقد يصح هنا قول من يقول إن الجواهر متماثلة والصور أعراض فيها ، فسلخ اللّه