ابن عربي

136

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الحياة التي يحيا بها كل شيء ، وهو العلم المتولد بين النبات والجماد من المولدات بصفة القهر ، فإن العيون الاثنتي عشرة إنما ظهرت بضرب العصا الحجر ، فانفجرت منه بذلك الضرب

--> « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » أنفسكم ، أي ظلم بعضكم بعضا ، حيث لم يأخذ بعضكم على بعض ، ولا نهى بعضكم بعضا في اتخاذكم العجل إلها من دون اللّه ( 53 ) « ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » إشارة إلى الاتخاذ ، أي لم ندخر لكم العقوبة إلى الآخرة ، وجعلنا عقوبتكم في الدنيا ، وفرضنا لكم التوبة ، وهو الرجوع من شرككم إلى توحيد اللّه كما سيأتي ، ثم قال « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » على هذه النعمة في قبول التوبة ورفع العقوبة عنكم في الآخرة ، وقد ندخل نحن في قوله « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » حيث قصصنا عليكم ما كان منا في حق الأمم من قبلكم ، فتشكرون نعمة اللّه عليكم حيث عافيناكم مما ابتلينا به من كان قبلكم ، وسنأتي على شرح هذه القصة في مكانها من الأعراف وطه ، ثم قال ( 54 ) « وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » الآية ، ومن النعم أيضا على نبيكم موسى وعليكم ، أن آتيناه ، أي أعطيناه وأنزلنا عليه الكتاب ، يعني التوراة ، يقول : الجامعة لما فيه سعادتكم إن عملتم بها « وَالْفُرْقانَ » فيها ، أي وكتبت الفرقان فيها ، وهو من بعض ما فيها ، يقول : جعلت لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » تتبينون ذلك عند تلاوتكم إياها فتعملون عليه ، ثم من نعمه قوله تعالى ( 55 ) « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ » الآية ، فنبههم على ذنبهم وعلى ما شرع الحق في ذلك ، فقال « وَإِذْ قالَ » أي يا بني إسرائيل واذكروا أيضا إذ قال « مُوسى لِقَوْمِهِ » الذين عبدوا العجل ، فأضافهم إليه وإن كانوا قد كفروا وخالفوا دينه « يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ » أي ظلم بعضكم بعضا حيث لم يرده عما شرع فيه من مخالفة أمر اللّه « بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ » إلها من دون اللّه ، فهؤلاء كفار وليسوا مشركين إن كانوا لم يتخذوه شريكا ، ثم قال « فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ » فارجعوا إلى الذي خلقكم وبرأكم ، فإن العجل ما يخلق شيئا ، فذكر أخص وصف الإله ، ليدل أن الخلق لا يكون إلا للّه ، خلافا لمخالفي أهل الحق الذين ينسبون الخلق إلى غير اللّه « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » أي فتوبتكم أن يقتل بعضكم بعضا عقوبة لكم مناسبة كما لم يرد بعضكم بعضا عن عبادة العجل ، وكما لم يرد بعضكم بعضا في ذلك لظلمة الجهل التي أعمت بصائركم ، كذلك أنزل عليكم ظلمة حتى يقتل بعضكم بعضا فيها ، فأرسل اللّه عليهم ظلمة بحيث لا يبصر بعضهم بعضا ، وتقاتلوا فيها حتى رفع اللّه عنهم ذلك ، وقصتهم في التاريخ مذكورة ، وغرضنا التنبيه والإيجاز وما يدل عليه اللفظ وكيفية الوقائع موقوف على كتب التواريخ ، ولو وصلت إلينا من طريق صحاح ربما ذكرناها ، ومما ظهر لنا أيضا في إرسال الظلمة عليهم في وقت قتالهم لئلا يدرك الرجل رأفة في أبيه أو ابنه أو أخيه أو ذي قربى ، فيؤديه ذلك إلى الفتور في إقامة