ابن عربي

137

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اثنتا عشرة عينا ، يريد علوم المشاهدة عن مجاهدة ، بسبب الضرب ، وعلوم ذوق ، لأن الماء من الأشياء التي تذاق ، ويختلف طعمها في الذوق ، فيعلم بذلك نسبة الحياة كيف

--> حد اللّه الذي شرع لهم ، كما ورد في شرعنا في جلد الزاني والزانية ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) وهذا أيضا من أكبر النعم على بني إسرائيل ، وقال تعالى « ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ » أي التوبة والقتل خير لكم عند بارئكم ، فأضافهم إلى البارئ عقيب القتل ، ليتنبهوا على الإعادة ورجوع الحياة إليهم ، ونبههم أيضا بذلك على أنهم شهداء ، فهم أحياء عند ربهم يرزقون « فَتابَ عَلَيْكُمْ » أي رجع عليكم برحمته التي كان الكفر قد سلبها عنكم « إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ » الرجّاع « الرَّحِيمُ » بالرحمة إليكم ، وقد تقدم تفسير التواب في قصة آدم ، ثم أردف أيضا هذه النعم بنعمة أخرى فقال تعالى وجل ( 56 ) « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ » الآية ، إلى قوله « تَشْكُرُونَ » قص اللّه علينا هذه الأمور ليري اللّه تعالى نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ما قاسى موسى من أمته فيعزي نفسه بذلك ، قال تعالى ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) وقال ( وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى ) لنا لنشكر اللّه على ما أولانا من نعمه حيث آمنا واستسلمنا ، ولم نكلف نبينا أن يسأل ربه شيئا ، مثل ما كلفت الأمم رسلها ، فنشكره سبحانه على هذه النعمة ، إذ لو شاء لألقى في قلوبنا ما ألقاه في قلوب الأمم قبلنا ، ولهذا نشرك أنفسنا معهم في الضمير المذكور في قوله ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فقال تعالى إخبارا عن بني إسرائيل ، والعامل في إذ كما في أمثاله « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ » أي لن نصدق بك « حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » فالعامل في جهرة يحتمل أن يكون قلتم ، ويحتمل أن يكون العامل نرى ، وهذا من أعظم ما اجترءوا به على اللّه تعالى ، وأعظم ما كلفوه لموسى ، فعاقبهم اللّه بأن أرسل عليهم صاعقة ، أمرا من السماء هائلا أصعقهم لم ينقل إلينا من طريق صحيحة ما كان ذلك الأمر « فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ » أي فأخذتهم الصاعقة جهرة ، وهو قوله « وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » قال ( 57 ) « ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ » أي من بعد ما صعقتم ، فقد يكون موت غشي ، وقد يكون موتا حقيقة ، والأقرب أن يكون موت غشي وصعق ، لأن اللّه يقول ( لا يَذُوقُونَ فِيهَا ) يعني في الجنة ( إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ) فأفردها ، وليس بنص ، ولكن يتقوى به وجه التأويل على هذا المعنى ، وسنومئ في إحياء من مات في ضرب الميت بالبقرة فحيي ، ما كانت تلك الحياة ، وفي كل حي يحيى في الدنيا بعد موته قبل حياة البعث ، فإنه سر لطيف لا يدرك إلا من جهة الكشف ، ثم قال « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » خطابا لنا ولهم ، فهذا تعريف يتضمن تكليفا بالشكر ، ومن النعم قوله ( 58 ) « وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ » الآية ، لما دعا موسى على قومه بالتيه حين قالوا ما ذكر في سورة المائدة ، قال أصحابه المؤمنون به : ما يقينا من حر الشمس في