الراغب الأصفهاني
1257
تفسير الراغب الأصفهاني
نفسه ويفرّغ للعبادة همّه ، قال : وليست الجنابة للحالة المعروفة فقط ، بل هي عبارة عن نجاسة النفس بالذنوب ، وحثّ على تجنّبها وتطهير النفس منها بقوله : لِيُطَهِّرَكُمْ « 1 » فإن قيل : فما وجه تعلق هذه الآية بما قبلها ، والإتيان بحكم التيمّم عقب ما تقدم ؟ قيل : لما أمر فيما تقدّم بالعبادة بقوله : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً « 2 » وأعظم العبادة الصلاة ، ولا تصحّ بغير طهارة بين عقيبها حكم ما يطهّر ، وحكم ما ينوب منا به إذا فقد « 3 » . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ « 4 » الآية . رأيت : يعدّى بإلى تنبيها على معنى النظر والاعتبار ، وذلك في رؤية القلب دون الحاسة « 5 » ، واشتراء الضلالة بالهدى :
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [ المائدة : 6 ] ، وهو الذي ذكره الراغب من التفسير الإشاري الذي اشتهر به المتصوفة ، وانظر : نحوا مما ذكر في : لطائف الإشارات ( 2 / 30 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 36 . ( 3 ) ذكر القرطبي نحوا من هذا التوجيه في الجامع لأحكام القرآن ( 5 / 200 ، 201 ) . ( 4 ) سورة النساء ، الآية : 44 ، ونصّها : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ . ( 5 ) قال الزّجّاج : « المعنى : ألم ينته علمك إلى هؤلاء » معاني القرآن وإعرابه ( 2 / 56 ) ، وقال أبو حيان : « والرؤية هنا علمية ، وضمنت معنى ما يتعدى بإلى ، فلذلك لم يتعدّ إلى مفعولين ، وكأنه قيل : ألم ينته علمك إلى كذا ؟ -