الراغب الأصفهاني
864
تفسير الراغب الأصفهاني
أوجه : أحدها : إذا جنى على نفسه جناية لا يتخطاها . والثاني : إذا ظلم ذويه الذين هم بمنزلة نفسه ، وعلى نحو ذلك قال الشاعر فيمن ظلم ذويه : وما كنت إلا مثل قاطع كفّه * بكفّ له أخرى فأصبح أجذما « 1 » وعلى هذا الوجه قد يقال ذلك فيمن ظلم واحدا من كافة الناس ، إذا كان الناس كنفس واحدة وآحادهم كأعضائها . والثالث : أن ظلم الإنسان غيره لما كان وباله راجعا إليه ، يقال فيمن ظلم غيره : قد ظلم نفسه « 2 » ، وعامة ما ذكر تعالى : ظلموا أنفسهم . ذكره مقرونا بنفي ظلمه تعالى إياهم ، نحو : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 3 » ، وقد ذكر حيث نهى عن ظلم الغير تنبيها على المعنى المتقدم ، نحو قوله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا « 4 » ، ثم قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
--> ( 1 ) البيت للمتلمس البكري . انظر : الحماسة البصرية ( 1 / 137 ) . ( 2 ) قسّم الراغب الظلم في المفردات إلى ثلاثة أنواع : « الأول : ظلم بين الإنسان وبين اللّه تعالى ، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق . الثاني : ظلم بينه وبين الناس . الثالث : ظلم بينه وبين نفسه . ثم قال : وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس ، فإن الإنسان أول ما يهمّ بالظلم فقد ظلم نفسه . . . » المفردات ص ( 537 ، 538 ) . ( 3 ) سورة يونس ، الآية : 44 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 231 .