الراغب الأصفهاني
1005
تفسير الراغب الأصفهاني
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ، فمنهم من قال : الآية على التقديم والتأخير ، وتقديرها : لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، بل إملاؤنا خير لهم ، ويكون مفعول وَلا يَحْسَبَنَّ هو إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ، وعلق أن ، وجعل أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ كالعلّة لتأخيرهم ، تنبيها أن ذلك أولاهم ليصير معونة لاكتسابهم الخير لأنفسهم ، وهذا فاسد ، لأن إنما يصح أن يعلق حيث ما يدخل لام الابتداء في خبره « 2 » ، ومنهم من قال :
--> - مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً وهذا الأمر القدري الكوني غير الأمر الشرعي ، فإن اللّه لا يأمر بالفسق شرعا ، ولا يحب الفاسقين . انظر : معارج القبول ( 1 / 162 ) والقضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود ص ( 291 - 298 ) . ( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 . وليس هناك تناف بين مدلول الآيتين ، لأنه تعالى أرادهم للعبادة شرعا لا كونا ، ولذلك قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، فالإرادة الشرعية يستطيع العبد أن يخالفها ، أما الإرادة الكونية القدرية فلا يستطيع دفعها عن نفسه بأي وجه كان . ( 2 ) التعليق : هو تعدي الفعل إلى مفعوله معنى لا لفظا ، وذلك إذا كان المعمول ذا استفهام أو مضافا إليه أو مسبوقا بلام ابتداء أو قسم أو منفيّا بلا أو ما . انظر : المساعد ( 1 / 368 ) ، وذكر النيسابوري أن هذا الوجه من تأويلات المعتزلة ، بناء على قراءة شاذة ليحيي بن وثّاب بكسر ( إن ) الأولى وفتح الثانية ، ثم قال : « وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل ، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحديّ أنكرها » . تفسير غرائب القرآن ( 2 / 316 ) -