أبو البركات بن الأنباري
10
البيان في غريب اعراب القرآن
كتاب من كتبه ، ولم يشر أية إشارة إلى ذلك في تصانيفه ، وكان لا بد أن أشير إلى هذا الموضوع لأن السيوطي نقل عن ابن الزبير في الصلة أنه رحل إلى الأندلس ، ومكث فيها مدة . ورد على ذلك ابن مكتوم ، فقال : « ذكر الحافظ المؤرخ أبو جعفر أحمد ابن إبراهيم الزبير الثقفي العاصمي في تاريخه للأندلس الذي وصل به صلة أبى القاسم ابن بشكوال أن أبا البركات عبد الرحمن بن الأنباري الملقب بالكمال هذا ، دخل الأندلس ووصل إلى أشبيلية وأقام بها زمانا . ولا أعلم أحدا ذكر ذلك غيره ، وهو مستغرب يحتاج إلى نظر ، والظاهر أنه سهو . واللّه أعلم » . ثقافته : إن المطلع على ثبت الكتب التي ألفها ابن الأنباري يعلم أن الرجل قد ألم بجميع الفنون العربية التي عرفت في القرن السادس الهجري ، ولقد كان لسمة العصر ووجود المدارس أثر ظاهر في ذلك . لأن علماء ذلك العصر كانوا يتنقلون في مرحلة التعليم بين حلقات الدرس ويختلفون إلى العلماء الذين يتصدرون للتدريس في كل موضوع ، فيأخذون أطرافا من علوم العربية وعلوم الفقه وغير ذلك ، وهكذا فعل ابن الأنباري ، فإنه جلس إلى العلماء واستمع منهم ، وأعجب بهم وأخذ عنهم ، وأثرّ فيه أحدهم تأثيرا كبيرا جعله يتخصص في مادة النحو ، ذلك العالم هو ابن الشجري الذي ترجم له واعترف بفضله وبتأثيره عليه ، ولقد ظهرت هذه النتيجة واضحة جلية في كتبه وبخاصة المطول منها ، وهي نحوية خالصة . وكثير من رسائله التي أشار إليها في كتبه وذكر أسماءها ، وكذلك الرسائل التي ذكرتها كتب التراجم ، فهي جميعا يغلب عليها صفة النحو ، ولا يخفى أنه نسب إلى النحو ، فقيل النحوي ( كما ذكرنا ذلك في تسمياته في أول البحث ) وهكذا برع وظهرت مواهبه في ذلك الفن حتى استوعبه حفظا وفهما ، وساعده على ذلك ما امتاز به من عقلية رياضية ساعدته على فهم المناظرات والحدال النحوي ، حتى أسهم في ذلك حين كان يناقش أستاذيه الحواليقى وابن الشجري . حقا لم يضع ابن الأنباري نحوا جديدا ، وما كان ذلك يصعب عليه لو نشده ، والذين ألفوا في النحو بعد سيبويه لم يخرجوا عن النطاق المضروب ، ولم يبتدعوا قواعد جديدة ، ولكن ابن الأنباري ألف في النحو بطريقة خاصة ، أخذ المادة القديمة وبناها بناءا جديدا ، وألبسها ثوبا عجيبا جميلا لم يشهده الناس من قبل ، لذلك كان له من عبقريته وذكائه وعقليته خير معين في ابتكار علم جديد هو ( علم أصول النحو ) ،