محمود بن أبو الحسن النيسابوري

44

وضح البرهان في مشكلات القرآن

عِتِيًّا . ( 8 ) سنّا عاليا .

--> [ يرحم اللّه أخي زكريا ، ما كان عليه من ورثه ، ويرحم اللّه لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد ] . واستدلّ الشيعة بالآية على أنّ الأنبياء عليهم السّلام تورث عنهم أموالهم ؛ لأنّ الوراثة حقيقة في وراثة المال ، ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة . - والجواب أنّ الداعي للصرف عن الحقيقة قوله عليه الصلاة والسّلام : [ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة ] لئلا يحصل التعارض بين الكتاب والسنة . قال القرافي : رواه الشيعة بالنصب [ ما تركنا صدقة ] . فصار المعنى : لا يورث ما تركناه وقفا ، وصار مفهومه أنهم يورثون في غيره . فغيّروا الرواية ، كذلك قوله عليه السّلام : [ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ] . فقد رووه : [ أبا بكر وعمر ] . فانعكس المعنى ، أي : يا أبا بكر وعمر ، فيكونان مقتدين لا مقتدى بهما . ا . ه . - وأيضا فإنّ زكريا عليه السّلام كان مشهورا بكمال الانقطاع والتجرد ، فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع اللذين ليس لهما في نظره العالي أدنى قدر . - وقال القرطبي : وأمّا وراثة المال فلا يمتنع ، وإن كان قوم قد أنكروه ؛ لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لا نورث ما تركنا صدقة ] . فهذا لا حجة فيه ، لأنّ الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع . وقد يؤول هذا بمعنى : لا نورث الذي تركنا صدقة . فإن قيل : ففي بعض الروايات : [ إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ] . ففيه التأويلان جميعا ، أن يكون « ما » بمعنى الذي ، والآخر : لا يورث من كانت حاله هذه . - قال أبو عمر ابن عبد البر : واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السّلام : [ لا نورث ما تركنا صدقة ] على قولين : - أحدهما - وهو قول الأكثر وعليه الجمهور - : أنّ النبي لا يورث ، وما ترك صدقة . - والآخر : أنّ نبينا عليه الصلاة والسّلام لم يورث ؛ لأن اللّه تعالى خصّه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضله ، كما خصّ في النكاح بأشياء أباحها له ، وحرّمها على غيره . وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن علية ، وسائر علماء المسلمين على القول الأول . انظر شرح تنقيح الفصول ص 437 ، وتفسير القرطبي 11 / 81 .