محمود بن حمزة الكرماني
66
البرهان في متشابه القرآن
في السورة . ونجّم كتاب ( البرهان ) للكرمانى على مبحث المتشابه من أول الكتاب إلى آخره ، حتى تم توزيعه بتمامه على جميع السور . ويؤخذ على الفيروزآبادي أنه قد سلك في الاستبطان « 1 » طريقة تفضى إلى نسبة مادة كتاب ( البرهان ) إلى مصنف كتاب البصائر ؛ إذ لم ينبه إلى قيامه بهذا الاستبطان كما تقتضيه الأمانة العلمية ، وفي نفس الوقت عمد إلى التخلص بلباقة من كل ما يدل على أن الكرماني هو صاحب مادة المتشابه في كتابه البصائر ، فهو دمج متعمد ، القصد منه نسبة جميع مادة كتاب ( البرهان ) إلى الفيروزآبادي . وبمراجعة مبحث المتشابه في كتاب البصائر - الجزء الأول منه - على كتاب ( البرهان ) للكرمانى وجدناه صورة منه طبق الأصل دون أي تصرف في النص . وقد صادفنا حذفا في مواضع قليلة وهو حذف يرجع إلى سقوط المحذوف من نسخة البرهان التي وقعت في يد
--> ( 1 ) ظاهرة استبطان كتب الغير دون ذكر أصحابها من الظواهر المرضية التي تفشّت منذ ظهرت المؤلفات ، ومنذ انحرفت غريزة التملك انحرافا مرضيا ، وتمتد جذور هذه الظاهرة في العالم الإسلامي إلى مطلع القرن الثالث الهجري ، واستفحل أمرها كلما كثرت المؤلفات في كل علم وفن إلى وقتنا هذا . ولا شك أن هذه العملية هي من أسوأ عمليات السرقات العلمية والأدبية ، وقد نبه عليها المتخصصون في كل فن وفضحوا من قاموا بها ، وما لم يتم التنبيه على ذلك يظل في طىّ الخفاء حتى يجد من ينبه عليه إن عاجلا أو آجلا . ويا حبذا لو خصّصت لهذه السرقات مؤلفات في كل مادة تنبه على أصحابها . وقد تنبهت الدول المتقدمة في العصر الحديث إلى حماية حق المؤلف ، فأصدرت ميثاقا دوليا بحقوق التأليف تلتزم جميع الدول الموقعة عليه بمراعاته ، كما منعت دور النشر - في الدول الموقعة على هذا الميثاق - من الاقتباس من المؤلفات إلا بشروط يجب مراعاتها . ويا حبذا لو سارت الدول العربية على هذا المنوال حماية للعلم والنهضة العلمية وكتب التراث من السطو عليها . وفيما يلي نذكر بعض العواقب الوخيمة للسطو العلمي والأدبي : * ظهور طبقات طفيلية من مدعى العلم الذين تخصصوا في السطو على مجهودات غيرهم ، وكلما أحرزوا نجاحا في هذا المضمار كلما ازدادوا استرسالا في كسلهم العقلي إلى درجة تجعلهم لا يطيقون القيام بالواجبات العلمية التي تتطلبها مناصبهم وخاصة في الجامعات ، وينعكس هذا الضّعف على مستوى المادة نفسها ، وعلى الطلاب ، وعلى التخصصات العلمية في جميع المواقع والقطاعات . * فتح الأبواب أمام المحترفين ليدخلوا في زمرة هم غرباء عنها ، وقد يصلوا إلى مناصب تمكنهم من التحكم في مصائر العلماء . ولا نتيجة لذلك سوى التخلف العلمي وهجرة العلماء من أوطانهم ، وهي كارثة قومية لا تخفى آثارها . * ضعف الابتكار ، والاكتفاء بولوج العلم من الأبواب الخلفية عن طريق خسيس رخيص ألا وهو السرقة . ونقترح في هذا الصدد : إصدار قوائم بالسرقات العلمية ، ليعلم أصحابها أنهم لن يفلتوا من الجزاء الأدبي على الأقل ، فإذا رأى ذلك غيرهم لم يفكر أحد في كسر هذه الرقابة التي تهدد كل من تحدثه نفسه ببناء مجد علمي رخيص بسلوك هذا المسلك الدنىء . ويعجبني ما فعلته مجلة الفيصل السعودية حينما نشر أحد هؤلاء الطفيليين مقالا في أحد أعدادها سنة 1400 ه ، ثم اتضح للمجلة أن المقال مسروق بتمامه ، فما كان منها إلا أن نددت بالكاتب في العدد التالي وأعلنت أنها ترفض النشر له ولأمثاله .