محمود بن حمزة الكرماني
335
البرهان في متشابه القرآن
--> وقوله : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ يؤذن بأن المراد بالناس العلماء والعباد لأن الوسوسة غالبا من الشّبه . وقوله : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ يؤذن بأن المراد بالناس هم الأشرار وهم شياطين الإنس الذين يوسوسون لهم ، واللّه تعالى أعلم ] * . وهناك وجه آخر يبين أسرار عدم التكرار في سورة الناس نعرضه فيما يلي : لما كانت الاستعاذة في سورة الناس أخص من الاستعاذة في سورة الفلق لذا تأخرت على شقيقتها . قال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وجه تأخيرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية ، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه وأوفى بالمقصود . وتضمنت السورة كالفلق استعاذة ، ومستعاذا به ، ومستعاذا منه ، وأمرا بالاستعاذة . ولما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحانه أليق بالحماية والإعانة والرعاية والتدبير العام العائد بالنفع والحفظ والإصلاح على المربوب ، وذلك يقتضى القدرة التامة على جلب الخيرات في الأرض والسماء ، ودفع الشرور ورفعها ، والنقل من النقص إلى الكمال كما يقتضى الرحمة الواسعة والإحسان الشامل والعلم الكامل بمصالح المربوب لذا قال : بِرَبِّ النَّاسِ أي : أعتصم باللّه ربى جل جلاله أن يكون عاصما وحافظا . ولما كان الرب والملك متقاربين في المفهوم ، وكان الرب إلى اللطف والتربية أقرب إلى الفهم ، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم . ولما كان الرب قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل التصرف ، اقتضت البلاغة تقديم الأول ، ثم اتباعه بالثاني : مَلِكِ النَّاسِ إشارة لما له من كمال التصرف ، ونفوذ القدرة وتمام السلطان ، فهو المستعان والمستغاث ، وهو الملجأ والملاذ والمعاذ به من كل سوء . ولما كان الملك قد لا يكون إلها ؛ وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركا أصلا بخلاف غيرها ، انتهى الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال : إِلهِ النَّاسِ والإله من ظهر بلطف صنائعه التي أفادها مفهوم الاسم [ الرب ] ، واستيلاء أمره وإحاطة سلطانه الذي أفاده مفهوم [ الملك ] فأحبته القلوب وأنست به ، ولجأ إليه العباد في جميع أمورهم . وبطن احتجابا بعزته وكبريائه أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو بشيء من أمره . ولما كان الإله هو الجامع لصفات الكمال ونعوت الجلال فكانت له جميع الأسماء الحسنى كان المستعيذ جدير بأن يعوذ به من كل شئ إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد : فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بألا يتألهون سواه أو يستعيذون بغيره . وقدّم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حدّ سواء ، وأخّر الألوهية لخصوصها ؛ لأن من لم يتعبد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن يجعله إله وإن كان في الحقيقة لا إله سواه . وقد أجمع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من [ ملك ] بخلاف سورة الفاتحة ، وذلك لأن إضافة [ المالك ] إلى الناس لا تلزم أن يكون ملكهم ، فلو قرئ به لنقص المعنى . ووسط صفة الملك لأن الملك هو المتصرّف بالأمر والنهى وملكه لهم لا ينفك عنهم لخلقه إياهم . فملكه من كمال ربوبيته تعالى وكونه إلههم الحق من كمال ملكه : فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه ، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها ، فوقع ترتيب ذلك على الوجه الأكمل الدال على الوحدانية ؛ لأن النعم الظاهرة * [ نهاية التأميل في أسرار التنزيل ] لابن الزملكانى . وهو العلامة كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري [ 667 - 727 ه ] نعته الذهبي بأنه عالم العصر وكان من بقايا المجتهدين ، ولما تعرض الإمام السيوطي لبيان أسماء المجتهدين في كتابه : حسن المحاضرة 1 / 143 ، عده منهم .