محمود بن حمزة الكرماني
336
البرهان في متشابه القرآن
--> والباطنة دالة على ربوبية الرب . ونظام الكون وتدبير شؤون المخلوقات دال على ملكوته . وربوبيته ، وملكوته دلا على أنه عز وجل المتفرد في ألوهيته بلا منازع ، لا يشاركه في مرتبته القدسية مشارك ، فاشتملت الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ، كما تضمنت معاني الأسماء الحسنى . لذا اندرجت في هذه الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات المطلوبة من وجوه الربوبية والملك والألوهية ، لئلا يقع خلل أو يطرأ فساد على وجه من تلك الوجوه فيضل العبد ويقشى . وفي هذا إشعار أيضا بعظم الآفة المستعاذ منها . وتأكيدا لكل وجه منها لم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة . ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها المتعاذ بها ، ذكر المستعاذ منه فقال : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ والمراد الموسوس : سمى بفعله إعلاما بأن صنعته التي لا يحسن غيرها والتي بلغ فيها منتهى الضراوة هي الوسوسة : هي الكلام الخفي ، وتكون بإلقاء المعاني إلى القلب ، فإن النفث بهذه الكيفية آكد للوصول إلى المقصود . ويتم ذلك بكيفية تجعل الحديث أحلى ، والقدرة على التزيين أشد . والتمكن من إثارة الشهوة وكذا ، ليفضحه فإذا ما افتضح ، وسوس إليه بالإصرار والمجاهرة بما هو عليه ، فتصبح الرذيلة طبعا ملازما له . ثم وصفه بألصق صفاته به : فقال : الْخَنَّاسِ . وفي هذا من دلائل الإعجاز : * بيان أن داء الوسوسة عظيم وخطره جسيم ، ومن رحمته تعالى بعباده أن بيّن لهم وداء هذا الداء ألا وهو ذكره جل وعز فإنه المقامع التي تقمع الشياطين . * بيان أن الشيطان عند ذكره تعالى لا ينصرف إلى غير رجعة بل يخنس ويتأخر لشدة نفوره من ذكره تعالى وفرقا من أنوار الذكر . ويظل مترقبا انقطاع العبد عن الذكر بلا ملل من ترقبه ، فإذا انقطع عاد إلى الوسوسة ومن انقطاع عدم الحضور في الذكر . التنبيه إلى مداومة الشيطان للوسوسة وعدم رجوعه عنها مطلقا ، يستلزم مداومة الذكر لطرد الخناس وصرفه والتحرز من شره وكيده . * التنبيه إلى أن عداوة الشيطان للناس جبلة غريزية فيه ، يدور وجوده معها ، فلا يكف عن الوسوسة إلى الناس بحال ما لم يقمعه العبد بذكر اللّه تعالى . فكانت خاتمة القرآن العظيم متصلة بأوله تمام الاتصال : وذلك أنه لما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته ، أنهت سورة الإخلاص إلى العالمين : عظمة منزله بالإنباء عن وحدانيته وأحديته وصمدانيته مما يقتضى انفراده بصفات الجلال والكمال اللائق بمرتبة من ليس كمثله شئ ، واستحقاقه المطلق لكمال التوجه إليه وإخلاص العبودية له تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه سبحانه . وكثر نزول [ قل ] في ابتداء السور من أواخر القرآن العظيم إعلاما بالإحاطة الإلهية الشاملة ، والعناية الكاملة بمن اختصه عز وجل بمرتبة تلقى كلامه وتبليغ كتابه إلى العالمين ، وإطلاق الأمر ، أفاد عموم الرسالة ، كما أعلم أن مبلغ هذا القرآن العظيم ، هو أعلى الخلائق قدرا وأشرفهم منزلة صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . واختتم القرآن بالمعوذتين اللتين جمعتا جميع مراتب الاستعاذة المطلوبة عند تلاوة الذكر الحكيم واتصلت أخراهما بالبسملة المتصلة بأول سورة الفاتحة ، فاتصلت البسملة بالثناء على اللّه عز وجل ، وبتمجيده تعالى ، وإفراده سبحانه بالعبادة ، والاستعانة به تعالى إيذانا باتصال آخر القرآن الكريم بأوله تمام الاتصال ف تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً .