محمود بن حمزة الكرماني
319
البرهان في متشابه القرآن
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ [ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ] « 1 » : فصرح تعظيما وتفخيما وتيمنا . ويحتمل أن يقال : أراد بالأول الشمس قياسا على القمرين ؛ ولهذا ذكّر في قوله : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أي جمع القمران : فإن التثنية أخت العطف وهذه دقيقة « 2 » . * قوله تعالى : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى « 3 » : أعادها مرتين و أَوْلى أعادها أربع مرات . فإن قوله : أَوْلى تمام في الذم بدليل قوله : فَأَوْلى لَهُمْ : فإن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أنه للتهديد وإنما كررها في السورة لأن المعنى أولى لك الموت . فأولى لك العذاب في القبر ، ثم أولى لك أهوال القيامة ، فأولى لك عذاب النار نعوذ باللّه [ منها ] « 4 » . [ 76 ] سورة الإنسان * قوله تعالى : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ « 5 » ، وبعده : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ « 6 » . إنما ذكر الأول بلفظ المجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون . ولهذا قال : بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ ثم ذكر الطائفين فقال : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ . * قوله تعالى : مِزاجُها كافُوراً « 7 » ، وبعده : مِزاجُها زَنْجَبِيلًا « 8 » ؛ لأن الثانية غير الأولى . وقيل : « كافور » اسم علم لذلك الماء ، واسم الثاني « زنجبيل » [ وقيل ] « 9 » : اسمها « سلسبيلا » « 10 » .
--> ( 1 ) الآية الأولى من سورة المجادلة . ( 2 ) في الأصلية : [ هذا ] ، وقد أثبتنا ما في البصائر 1 / 491 . ( 3 ) سورة القيامة الآيتان : 34 ، 35 . ( 4 ) ز . في البصائر 1 / 492 . ( 5 ) سورة الإنسان وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا الآية : 15 . ( 6 ) سورة الإنسان وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً الآية : 19 ( 7 ) سورة الإنسان إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً الآية : 5 . ( 8 ) سورة الإنسان وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا . عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا الآيتان : 17 ، 18 . ( 9 ) ز . في البصائر 1 / 494 . ( 10 ) قال ابن الأعرابي : لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن . فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق . وقال الأكثرون : يقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل . أي عذب سهل المساغ . وإنما زيدت الباء في التركيب للدلالة على بلوغ الغاية في السلاسة . والمعنى الذي ذكره أئمة اللغة في السلسبيل ذكروه في صفات الماء السلسال مع اختصاص الأول بغاية السلاسة : قال الجوهري : تسلسل الماء في الحلق جرى . وسلسلته : صببته . وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته [ تاج اللغة وصحاح العربية 5 / 1731 ، 1732 ] . وقال ابن سيدة في المخصص : [ ماء سلسال أي ماء جار . وتقدم أنه السهل في الحلق 9 / 147 ] . وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط : [ السلسبيل : اللين الذي لا خشونة فيه . والخمر ، وعين في الجنة ] وهذه هفوة للفيروزآبادى في ذكره للخمر ، ولعله كان يقصد خمر الجنة ، أما خمر الدنيا فهي خبيثة الطعم والأثر .