محمود بن حمزة الكرماني
261
البرهان في متشابه القرآن
* قوله تعالى في هذه السورة : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى « 1 » وفي يس : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى « 2 » ، وقيل : الرجل اسمه حزقيل مؤمن من آل فرعون : وهو النجار « 3 » ، وقيل : شمعون وقيل حبيب . وفي يس هو هو « 3 » . وقوله : مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ في العربية يحتمل ثلاثة أوجه : ( أحدها ) أن يكون من أقصى المدينة صفة لرجل و ( الثاني ) أن يكون صلة لجاء و ( الثالث ) أن يكون صلة ليسعى . والأظهر في هذه السورة أن يكون وصفا ، وفي « يس » أن يكون صلة . وخصت في هذه السورة بالتقديم لقوله قبله : فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ « 5 » ثم قال : وَجاءَ رَجُلٌ . وخصت سورة « يس » بقوله : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ : لما جاء في التفسير أنه كان يعبد اللّه في جبل فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلا . * قوله تعالى : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ « 6 » . وفي الصافات : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ « 7 » ؛ لأن ما في هذه السورة من كلام شعيب أي : من الصالحين في حسن العشرة والوفاء بالعهد . وفي الصافات من كلام إسماعيل حين قال له أبوه : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى فأجاب : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ أي على الذبح « 8 » .
--> ( 1 ) سورة القصص من الآية : 20 . ( 2 ) سورة يس من الآية : 20 . ( 3 ) الرجل الذي في القصص معاصر لموسى عليه السّلام وهو مؤمن آل فرعون واختلف المفسرون والمحدثون في اسمه ، وعلم مبهمات القرآن مرجعه النقل المحض ولا مجال للرأي فيه . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق أنه [ سمعان ] وقال الدار قطني : [ إن مؤمن آل فرعون لا يعرف إلا باسم « شمعان » ] ، وقال السهيلي : [ شمعان أصح ما قيل فيه . وقيل إنه حير وإنه حبيب وأنه حزقيل ] وانظر : الإتقان 2 / 147 ، ومعترك الأقران 1 / 496 وأما مؤمن سورة يس فهو حبيب النجار وهو في عصر عيسى عليه السّلام . راجع : الإتقان 2 / 148 ، ومعترك الأقران 1 / 497 . وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن قتادة وكعب وغيرهم . ( 5 ) سورة القصص من الآية : 15 . ( 6 ) سورة القصص من الآية : 27 . ( 7 ) سورة الصافات فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ الآية : 102 . ( 8 ) الصّبر هنا على أمر اللّه تعالى ولا يعود على الذبح : إذ لما قال : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ كان قوله : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ متعلقا به ، وشتان ما بين الصبر على الذبح والصبر على أمر اللّه .